المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اتبـــــــاع الهــــــــوى


أبن ســنيّن
09-Oct-2005, 01:11 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم

اتباع الهوى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه
الهوى في الأصل هو ميل النفس إلى ما تحب من خير أو شر.

ويعرفه ابن الجوزي رحمه الله بأنه :
( ميل الطبع إلى ما يلائمه، وهذا الميل قد خلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل وإلى المشرب ما شرب، وإلى المنكح ما نكح وكذلك كل ما يشتهيه، فالهوى مستجلب له ما يفيد، كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذي، فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق، وإنما يذم المفرط من ذلك وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار ولما كان الغالب من موافق الهوى أنه لا يقف منه على حد المنتفع أطلق ذم الهوى والشهوات لعموم غلبة الضرر ).

وقال ابن رجب رحمه الله :
( وقد يطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقاً، فيدخل فيه الميل إلى الحق وغيره، وربما استعمل بمعنى محبة الحق خاصة والانقياد إليه ).
واستدل رحمه الله على قوله ببعض الآثار، ومنها ما جاء أنه لما نزل *قوله – تعالى - : { تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء …………{51} سورة الأحزاب
وقالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم ( ما أُرى ربك إلا يسارع في هواك ) رواه البخاري.

إذن فالهوى في الأصل ميل النفس إلى ما تهواه، وإن مالت إلى ما يخالف الشرع فهو الهوى المذموم، وإن مالت إلى ما يوافق الشرع فهو الممدوح، وإذا ذكر الهوى مطلقاً أو ذكر ذمه فإنما يراد به الهوى المذموم لأنه الغالب والله أعلم.
واتباع الهوى المذموم قد يكون في أمور الدين وقد يكون في شهوات الدنيا أو بعبارة أخرى قد يكون في الشبهات وقد يكون في الشهوات، وقد يكون في أمر مشترك بينهما.
وهوى الشبهة قد يوصل صاحبه إلى حد الابتداع في الدين وهو المراد في عامة كلام السلف حينما يتحدثون عن أهل الأهواء، فإنما يريدون بذلك أهل البدع.
وأما هوى الشهوة فقد يكون في الأمور المباحة كالأكل والشرب والنكاح والملبس وقد يكون في الأمور المحرمة كالزنا والخمر ومرتكب هذه المحرمات يسمى فاجراً وفاسقاً وعاصياً.(انظر مجموع فتاوى ابن تيمية)

قال ابن رجب رحمه الله :
( وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع ولهذا يسمى أهلها أهل الأهواء. وكذلك المعاصي إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه ).
ومما ينبغي أن يعلم أن أهواء الشبهات أعظم وأخطر من أهواء الشهوات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
( واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات فإن الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كما قال تعالى : {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ………{50}سورة القصص.
ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من العلماء والعباد يجعل من أهل الأهواء، كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء، وذلك أن كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه والعلم بالدين لا يكون إلا بهدى الله الذي بعث به رسوله ).

ذم اتباع الهوى

لقد تظافرت النصوص الشرعية والآثار السلفية في ذم الأهواء المضلة والتحذير من اتباعها.
ومن ذلك ما خاطب الله تعالى به نبيه داود عليه السلام بقوله : {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّه…………{26} سورة ص.
وقال في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ{18} سورة الجاثية.
وقال تعالى : {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ{145} سورة البقرة.
وقال تعالى : {قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ{56} سورة الأنعام.
وقال تعالى مخاطباً عباده المؤمنين ومحذراً لهم من اتباع الهوى : { فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ ………{135} سورة النساء.
وأخبرنا تعالى بأنه لا أحد أضل ممن يتبع هواه بغير هدى ولا علم كما قال تعالى : {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ……{50} سورة القصص.
وقال تعالى : {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ………{29} سورة الروم.
وقال سبحانه : {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ………{119} سورة الأنعام.
والآيات في ذم الأهواء الباطلة والتحذير من اتباعها كثيرة جداً.
وأما الأحاديث فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى )) في مجمع الزوائد.
وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن اتباع الهوى من المهلكات فقال : (( ثلاث منجيات : خشية الله تعالى في السر والعلانية، والعدل في للرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى. وثلاث مهلكات : هوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه )) في صحيح الجامع وحسنه الألباني. ولخطورة اتباع الهوى وشدة مجاهدته على النفس فقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، مجاهدة الرجل لهواه أفضل الجهاد فقال : (( أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه )) في صحيح الجامع وصححه الألباني.
ولقد حذر السلف رحمهم الله من الهوى واتباعه، ورهبوا من مجالسة أهله وأصحابه ومن ذلك ما ذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ( إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان : طول الأمل واتباع الهوى، فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ) رواه الإمام أحمد في الزهد.
ولما قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما : ( الحد لله الذي جعل هوانا على هواكم ) قال ابن عباس : ( الهوى كله ضلالة ) رواه ابن بطة في الإبانة.
وقال ابن عباس أيضاً : ( لا تجلسوا أصحاب الأهواء فإنهم يمرضون القلوب ) رواه ابن بطة في الإبانة.
وقال معاوية : ( المروءة ترك اللذة وعصيان الهوى ) رواه ابن الجوزي في ذم الهوى.
وقال ميمون بن مهران : ( إياكم وكل هوى يسمى بغير الإسلام ) رواه ابن بطة في الإبانة.
وعن الحسن أنه كان يقول : ( اتهموا أهواءكم ورأيكم على دين الله وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم ) رواه ابن بطة في الإبانة.
وقال أبو قلابة : ( لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون ) رواه الدارمي وابن بطة في الإبانة.
وقال إبراهيم النخعي : ( لا تجالسوا أهل الأهواء فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغضة في قلوب المؤمنين ) رواه ابن بطة في الإبانة.
وقال الشعبي : ( إنما سمِّي الهوى لأنه يهوي بصاحبه ) رواه الدارمي في سننه.
وقال مالك بن دينار : ( بئس العبد عبد هَمَّه هواه وبطنه ) رواه ابن الجوزي في ذم الهوى.
وقال بشر : ( اعلم أن البلاء كله في هواك، والشفاء كله في مخالفتك إياه ) رواه ابن الجوزي في ذم الهوى.

ولقد أكثر الشعراء من ذكر الهوى وأحسن كثير منهم في تصويره والتحذير منه : ومما قيل في ذلك :

أن الهوان هو الهوى قلب اسمه=فإذا هويت فلقد لقيت هواناوقال آخر :

نون الهوان من الهوى مسروقة =فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وقال آخر :

وكل امرئ يدري مواقع رشده=ولكنه أعمى أسير هواه
يشير عليه الناصحون بجهدهم=فيأبى قبول النصح وهو يراه
هوى نفسه يُعميه عن قصد رُشده=ويبصر عن فَهم عيوب سِواه
(ذكر هذه الأبيات وغيرها ابن الجوزي في ذم الهوى)

والمقصود أن اتباع أهواء النفوس بغير هدى من الشرع مما تظافرت على ذمه النصوص الشرعية والآثار السلفية والحكم الشعرية.
وفي الحقيقة فإن اتباع الإنسان لهواه دليل على نقص عقله وضعف إرادته وإيمانه وقلة مراقبته لربه.
وهو دليل على فساد القلب وخبث النفس وانطوائها على ركام من الحسد والبغي وحب للعلو والرياسة وحرص على قضاء الوطر، وصاحبه شبيه بالأطفال بل بالأنعام، بل هو أضل من الأنعام إذ الهوى يعمي صاحبه ويصمه عن قبول الحق. وقال تعالى : {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ{179} سورة الأعراف.

ومما ينبغي أن يعلم أن اتباع الهوى ينتج عن أسباب كثيرة من أهمها أمران :
- ضعف الإيمان وما يتبع ذلك من آثار : كالحسد والغرور والتطلع إلى الشهرة والتكالب على الشهوة، وضعف الإرادة والتعلق بالدنيا وغير ذلك.

- مجالسة أهل الأهواء والتأثر بهم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

http://www.mutair.ws/images/ataqallah.jpg

محمد المطيري
13-Oct-2005, 04:47 PM
مشكور اخوي أبن سنيّن على هالمعلومات

وتقبل شكري وتقديري

محمد المطيري

أبن ســنيّن
13-Oct-2005, 10:04 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيك أخي العزيز والفاضل " محمد المطيري " وجزاك الله خير الجزاء على مررورك ودعاءك وتشجيعك

لفعل الخير واللهم يجعله في ميزان حسناتك.