يوسف العتيق
20-Aug-2006, 07:22 AM
بلدة غصيبة التاريخية
*عبد الحكيم العواد:
تقع بلدة غصيبة التاريخية في منتهى الطرف الشمالي لحدود الدرعية القديمة، التي ظهرت للوجود في بداية النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، عندما قدِم مانع المريدي جدّ الأُسرة السعودية الحاكمة من بلدة الدروع في نواحي القطيف إلى أبناء عمومته في منطقة حجر اليمامة الواقعة على ضفاف وادي حنيفة. وحيث إنّ مانعاً كان سيداً لقومه فلم يرض بالاستقرار سوى في منطقة مستقلة عن ملك أبناء عمومته (الدروع)، فأقطعوه جزءاً مما كان تحت أيديهم من المناطق الواقعة على ضفاف وادي حنيفة.
وليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فقد اتفق أنً تلك المنطقة التي اختارها مانع أو اختيرت له وأسماها (الدرعية)، تيمُّناً بأجداده، تُعَدُّ من أفضل المواقع في المنطقة من حيث صلاحية أرضها للزراعة وتحصينها ومرور قوافل الحجيج والتجارة عبرها، فأكسبها ذلك مكانة وشهرة أسهمت في بروزها بسرعة إلى السطح ولعبها دوراً حيوياً في المنطقة.
وقد كانت الدرعية تقع بين ما يُعرف قديما (المليبيد) جنوباً، وهي المنطقة الواقعة عند زاوية انكسار وادي حنيفة من الجنوب إلى الشرق، وهي في الوقت الحاضر داخلة ضمن نطاق مزرعة الأمير متعب بن عبد العزيز المسمّاة العلاقية، فيما يمتد الإقطاع شمالاً إلى أن يقف قبيل شعب غبيراء.
وقد ذكر مخطوط ينسب للشيخ راشد بن خنين العائذي أنّ المنطقة كانت تسمّى قديماً الضيق وغبيراء، وقد اضمحل مسمّى ضيق الآن وانحصر في المنطقة التي تبدأ من فيضة شعب البليدة على وادي حنيفة المقابلة لبلدة غصيبة من الغرب ويمتد مغرباً ثم ينكسر ناحية الجنوب ثم شرقاً إلى أن يفيض مرة أخرى على وادي حنيفة ماراً بمزارع آل خميس وآل ناصر وآل عواد، أمّا غبيراء فما زال هذا الاسم يطلق على الشعب الواقع شمال الدرعية. والواضح أنّ مانعاً قد استقر هو وأتباعه ابتداءً في منطقة ما على ضفاف الوادي إلى أن استطاع أحد أحفاده، كما سيأتي بيانه، اغتصاب حصن غصيبة فسكنته ذرِّيته من بعده إلى نهاية القرن الحادي عشر، وبعد أن ضاقت البلدة على ساكنيها اختاروا مكاناً حصيناً آخر، فتم بناء حصن (الطريف) المعروف وفيه استقرت الأُسرة الحاكمة إلى عام 1233هـ، حينما هدمته القوات العثمانية.والناظر إلى بلدة غصيبة يلحظ الدقة في اختيار موقعها، فقد اختير بعناية في زاوية التقاء شعب قليقل بوادي حنيفة، مما جعلها على رأس هضبة محاطة من ثلاث جهات بالوادي، فيما حصنت الجهة الشمالية بسور قوي عالٍ يصل سمكه إلى أربعة أمتار تتوسطه بوابة كبيرة تسمح بدخول قوافل الجمال المحملة بالأحمال، ويمكن رؤية البلدة كاملة وسورها الضخم واضحاً من خلال موقع Google earth.وقد مارست غصيبة دورها الإقليمي في حماية الحجيج المارِّين بمناطق نفوذها، وذلك بموافقة ومباركة من الباب العالي الذي كان يشرف إشرافاً عاماً على الحجيج بحكم خلافته على العالم الإسلامي آنذاك. وكان يشرف على الحجيج في أواخر القرن العاشر الهجري إبراهيم بن موسى من مقرِّه في قلعته في الدرعية، كما أثبتته إحدى الوثائق العثمانية، وهو إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع المريدي.وقد استمر دور غصيبة عاصمة لإقليم الدرعية، وفيها مقر الحكم إلى أواخر القرن الحادي عشر كما أسلفنا، ويستشف ذلك مما ذكره مؤرِّخو نجد كالمنقور وابن ربيعة والفاخري وابن بشر في أحداث عام 1065هـ، قالوا: (وفيها قتل وطبان مرخان بن ربيعة واستولى على غصيبة).
سبب التسمية!
ولم أر في المصادر التي اطّلعت عليها ذكراً لسبب تسمية غصيبة بهذا الاسم، ولكن بالرجوع لدلالات الاسم يمكن استشفاف السبب، ذلك أنّ غصيبة تعني الشيء المأخوذ من صاحبه عنوة، وقد ذكرت المصادر التاريخية أنّ أمير الدرعية موسى بن ربيعة حفيد مانع المريدي، قد شنّ هجوماً جمع فيه أبناء عمومته من المردة والموالفة وصبح آل يزيد أهل النعمية والوصيل وأعمل فيهم القتل واحتل أراضيهم، وحيث إنّ النعمية قريبة جداً من موقع غصيبة وهي في ظني ما يسمَّى الآن (العلب) الواقع في شمال الدرعية، فقد كان موقع غصيبة داخلاً ضمن أملاك آل يزيد، ولعلّها كانت حامية لهم فاغتصبها منهم واتخذها مقراً للحكم لمنعتها وموقعها المثالي، ثم أخذ في تحصينها وتقويتها، وعليه فإنِّي أرجِّح ظهور غصيبة إلى الوجود اعتباراً من منتصف القرن العاشر الهجري، وهي الفترة التي تولَّى فيها موسى إمارة الدرعية.
ولا يعرف على وجه التحديد متى انتقل مقر الحكم من غصيبة إلى حي الطريف الواقع على سفح الوادي إلى الجنوب من غصيبة بنحو كيلو مترين اثنين؟ ولكن المؤكّد أنّ انتقال مقر الحكم إلى الطريف كان بسبب ضيق غصيبة واكتظاظها بالسكان، الأمر الذي استدعى الحاكم آنذاك أن يختط حياً جديداً يلبي الاحتياجات المتجددة خصوصاً بعد توسُّع الإمارة، ولعلَّ ذلك كان في عهد الأمير محمد بن مقرن الذي تولّى الإمارة من عام 1084هـ إلى عام 1106هـ، أي ما يقارب اثنتين وعشرين سنة كثر فيها السكان وتزاحمت الدور فعجز حي غصيبة عن استيعابهم.
ورغم انتقال مقر الحكم من غصيبة إلى الطريف، فإنّ الأولى لم تخل من السكان واستمرت تقوم بدورها إلى جانب بقية أحياء الدرعية، بل إنّ الإمام سعود بن عبد العزيز قد بنى فيها قصراً شامخاً وجعل بابه من حديد، ولا يزال أحد أبراج القصر باقياً حتى الآن يرتفع بشموخ رغم القصف المدفعي العنيف الذي تعرّض له القصر أثناء معارك احتلال الدرعية.
*عبد الحكيم العواد:
تقع بلدة غصيبة التاريخية في منتهى الطرف الشمالي لحدود الدرعية القديمة، التي ظهرت للوجود في بداية النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، عندما قدِم مانع المريدي جدّ الأُسرة السعودية الحاكمة من بلدة الدروع في نواحي القطيف إلى أبناء عمومته في منطقة حجر اليمامة الواقعة على ضفاف وادي حنيفة. وحيث إنّ مانعاً كان سيداً لقومه فلم يرض بالاستقرار سوى في منطقة مستقلة عن ملك أبناء عمومته (الدروع)، فأقطعوه جزءاً مما كان تحت أيديهم من المناطق الواقعة على ضفاف وادي حنيفة.
وليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فقد اتفق أنً تلك المنطقة التي اختارها مانع أو اختيرت له وأسماها (الدرعية)، تيمُّناً بأجداده، تُعَدُّ من أفضل المواقع في المنطقة من حيث صلاحية أرضها للزراعة وتحصينها ومرور قوافل الحجيج والتجارة عبرها، فأكسبها ذلك مكانة وشهرة أسهمت في بروزها بسرعة إلى السطح ولعبها دوراً حيوياً في المنطقة.
وقد كانت الدرعية تقع بين ما يُعرف قديما (المليبيد) جنوباً، وهي المنطقة الواقعة عند زاوية انكسار وادي حنيفة من الجنوب إلى الشرق، وهي في الوقت الحاضر داخلة ضمن نطاق مزرعة الأمير متعب بن عبد العزيز المسمّاة العلاقية، فيما يمتد الإقطاع شمالاً إلى أن يقف قبيل شعب غبيراء.
وقد ذكر مخطوط ينسب للشيخ راشد بن خنين العائذي أنّ المنطقة كانت تسمّى قديماً الضيق وغبيراء، وقد اضمحل مسمّى ضيق الآن وانحصر في المنطقة التي تبدأ من فيضة شعب البليدة على وادي حنيفة المقابلة لبلدة غصيبة من الغرب ويمتد مغرباً ثم ينكسر ناحية الجنوب ثم شرقاً إلى أن يفيض مرة أخرى على وادي حنيفة ماراً بمزارع آل خميس وآل ناصر وآل عواد، أمّا غبيراء فما زال هذا الاسم يطلق على الشعب الواقع شمال الدرعية. والواضح أنّ مانعاً قد استقر هو وأتباعه ابتداءً في منطقة ما على ضفاف الوادي إلى أن استطاع أحد أحفاده، كما سيأتي بيانه، اغتصاب حصن غصيبة فسكنته ذرِّيته من بعده إلى نهاية القرن الحادي عشر، وبعد أن ضاقت البلدة على ساكنيها اختاروا مكاناً حصيناً آخر، فتم بناء حصن (الطريف) المعروف وفيه استقرت الأُسرة الحاكمة إلى عام 1233هـ، حينما هدمته القوات العثمانية.والناظر إلى بلدة غصيبة يلحظ الدقة في اختيار موقعها، فقد اختير بعناية في زاوية التقاء شعب قليقل بوادي حنيفة، مما جعلها على رأس هضبة محاطة من ثلاث جهات بالوادي، فيما حصنت الجهة الشمالية بسور قوي عالٍ يصل سمكه إلى أربعة أمتار تتوسطه بوابة كبيرة تسمح بدخول قوافل الجمال المحملة بالأحمال، ويمكن رؤية البلدة كاملة وسورها الضخم واضحاً من خلال موقع Google earth.وقد مارست غصيبة دورها الإقليمي في حماية الحجيج المارِّين بمناطق نفوذها، وذلك بموافقة ومباركة من الباب العالي الذي كان يشرف إشرافاً عاماً على الحجيج بحكم خلافته على العالم الإسلامي آنذاك. وكان يشرف على الحجيج في أواخر القرن العاشر الهجري إبراهيم بن موسى من مقرِّه في قلعته في الدرعية، كما أثبتته إحدى الوثائق العثمانية، وهو إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع المريدي.وقد استمر دور غصيبة عاصمة لإقليم الدرعية، وفيها مقر الحكم إلى أواخر القرن الحادي عشر كما أسلفنا، ويستشف ذلك مما ذكره مؤرِّخو نجد كالمنقور وابن ربيعة والفاخري وابن بشر في أحداث عام 1065هـ، قالوا: (وفيها قتل وطبان مرخان بن ربيعة واستولى على غصيبة).
سبب التسمية!
ولم أر في المصادر التي اطّلعت عليها ذكراً لسبب تسمية غصيبة بهذا الاسم، ولكن بالرجوع لدلالات الاسم يمكن استشفاف السبب، ذلك أنّ غصيبة تعني الشيء المأخوذ من صاحبه عنوة، وقد ذكرت المصادر التاريخية أنّ أمير الدرعية موسى بن ربيعة حفيد مانع المريدي، قد شنّ هجوماً جمع فيه أبناء عمومته من المردة والموالفة وصبح آل يزيد أهل النعمية والوصيل وأعمل فيهم القتل واحتل أراضيهم، وحيث إنّ النعمية قريبة جداً من موقع غصيبة وهي في ظني ما يسمَّى الآن (العلب) الواقع في شمال الدرعية، فقد كان موقع غصيبة داخلاً ضمن أملاك آل يزيد، ولعلّها كانت حامية لهم فاغتصبها منهم واتخذها مقراً للحكم لمنعتها وموقعها المثالي، ثم أخذ في تحصينها وتقويتها، وعليه فإنِّي أرجِّح ظهور غصيبة إلى الوجود اعتباراً من منتصف القرن العاشر الهجري، وهي الفترة التي تولَّى فيها موسى إمارة الدرعية.
ولا يعرف على وجه التحديد متى انتقل مقر الحكم من غصيبة إلى حي الطريف الواقع على سفح الوادي إلى الجنوب من غصيبة بنحو كيلو مترين اثنين؟ ولكن المؤكّد أنّ انتقال مقر الحكم إلى الطريف كان بسبب ضيق غصيبة واكتظاظها بالسكان، الأمر الذي استدعى الحاكم آنذاك أن يختط حياً جديداً يلبي الاحتياجات المتجددة خصوصاً بعد توسُّع الإمارة، ولعلَّ ذلك كان في عهد الأمير محمد بن مقرن الذي تولّى الإمارة من عام 1084هـ إلى عام 1106هـ، أي ما يقارب اثنتين وعشرين سنة كثر فيها السكان وتزاحمت الدور فعجز حي غصيبة عن استيعابهم.
ورغم انتقال مقر الحكم من غصيبة إلى الطريف، فإنّ الأولى لم تخل من السكان واستمرت تقوم بدورها إلى جانب بقية أحياء الدرعية، بل إنّ الإمام سعود بن عبد العزيز قد بنى فيها قصراً شامخاً وجعل بابه من حديد، ولا يزال أحد أبراج القصر باقياً حتى الآن يرتفع بشموخ رغم القصف المدفعي العنيف الذي تعرّض له القصر أثناء معارك احتلال الدرعية.