يوسف العتيق
17-Sep-2006, 09:18 AM
وهذا مقال سعدنا بنشره في وراق الجزيرة
المصادر التاريخية ليست شمساً تغطي كافة التفاصيل
عبدالحكيم بن عبدالرحمن العواد
تلقيت بكل سرور وبهجة تعليق أستاذنا عبدالرحمن الرويشد على بعض ما كتبته في هذه الصفحة عن تاريخ غصيبة، وحق لمثلي أن يسر فيكفي أن قلمي قد نفخ الرماد الذي غطى جمر إبداعاته فعاد يشتعل وهذا عهدنا بجمر الغضى لا يموت، فقد افتقدنا كتاباته وتعليقاته السديدة خصوصاً فيما يتعلق بتاريخ نجد، ولسان حالي يقول كما قال ابن الدمينة:
لئن ساءني أن نلتَني بمساءة ٍ
فقد سرني أني خطرت ببالك
فكيف بي وقد سرني تعقيبه كثيراً! ويا ليت أستاذنا أطنب ولم يوجز وشمل بملاحظاته القيمة كامل النص.
وفيما يخص ما أبداه أستاذنا الرويشد من ملاحظات حول القذائف المجوفة المملوءة بالمسامير التي استخدمتها قوات إبراهيم باشا في حرب غصيبة، فإن عدم ذكر المصادر التي وصفت معارك الدرعية لها لا ينف وجودها، فتلك المصادر ليست شمساً تغطي كافة التفاصيل الدقيقة ومصادر المعلومات، وقد ذكرت أن تلك التفاصيل قد فات المصادر المعنية بتسجيل أحداث تلك الفترة توثيقها، ومثل ذلك مشاهد في كثير من الأحداث عبر التاريخ، فالتاريخ الشفوي - وهو ما اهتمت بتوثيقه دارة الملك عبدالعزيز مؤخراً - لا يقل أهمية عن التاريخ المكتوب خاصة إذا ما علمنا أن الأمية في نجد منتشرة آنذاك وقليل من يستطيع الكتابة وتسجيل الأحداث في حينها.
ومسألة استغراب أستاذنا الرويشد لوجود تلك الأنواع من (القبس) إلى جانب القبس ذي الرسن والسلاسل شأن خاص به، ذلك أن من رأى ليس كمن سمع، فقد ذكر لي والدي أنه وأخوته ومنذ نحو ستين سنة عندما كانوا ينقلون الأنقاض والأتربة من تحت الجدران المتهدمة في غصيبة لتفريقها في أحواض المزرعة - وقد كانت مزرعتنا المسماة (المطيوية) ملاصقة تماماً لبلدة غصيبة من الجهة الشرقية - كانوا كثيراً ما يجدون أنواعاً مختلفة من قذائف المدفعية مطمورة تحت التراب، فتارة يجدون القبس، وهي القذائف التي بالكاد تحتويها كفي الرجل ومفرغة من الداخل وفيها ثقب باتساع نحو اثنين (سم) وبداخلها قطع مسمارية بطول الخنصر ويعترض في فوهتها مسمار متصلة به سلسلة في طرفها حلقة وعند سؤالهم لجدتهم عن تلكم القذائف أخبرتهم أنها كانت تسمع قديماً أن الباشا يربط الكلاب في سلاسل القبس ويطلقها على أهل غصيبة وتارة يجدون القبس آنف الذكر وقد تكسر إلى قطع مختلفة بعد انفجاره وتناثر مساميره، وتلك القذائف الغرض منها هدم الجدران ثم قتل الناس، وأحيانا يجدون قذائف بحجم كرة التنس الأرضي وهي مصمته (غير مجوفة) وهي ما تسمى (القلول) والغرض منها هدم الجدران فقط، ولا زلت أحتفظ ببعض القبس المتكسر والقلول الكامل، ولا أستبعد أن تلك القبوس والقلول لازالت موجودة تحت المتبقي من أنقاض غصيبة الأمر الذي يستدعي القيام بحفريات في البلدة لاكتشافها وغيرها من متعلقات السكان آنذاك وبرفقه صورة للمدافع التي استخدمها أهل الدرعية في الدفاع عنها.
أما مقارنته بين ربط الكلاب في قذائف المدفعية وإطلاقها على غصيبة وما ذكر في كتاب (إمتاع السامر) من تدريب العسيريين للقردة واستخدامها في الحروب فهي مقارنة غير صحيحة، فبغض النظر عما ورد في كتاب (إمتاع السامر) فإن الباشا لا يحتاج إلى تدريب الكلاب على النباح بعد إطلاقها في الهواء، فيكفي القبض على الكلاب الضالة في المنطقة وربطها في السلاسل وإطلاقها في الهواء وباقي الخطة ستنفذها الكلاب بدون توصية أو تدريب! ولم أزعم أن إيجاد تلك القصص الهدف منه تبرير انهزام أهل الدرعية كما ظنه أستاذنا! فتلك الكلاب كما ذكرت تخيف النساء والأطفال فقط، أما تفنن الباشا في التعذيب النفسي والبدني والقتل البشع فقد فاق ما ذكرته، فقد ذكرت بعضه المصادر التي سجلت أحداث تلك الحقبة ومنها ابن بشر أن القوات التركية (لم تتورع عن إيذاء العلماء وتحقيرهم وقتلهم صبراً وتعذيبهم والتمثيل بهم.
ومن ذلك ما جرى للشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، الذي تهدده الباشا وأمر على آلات اللهو والرباب فجروها عنده إرغاماً له ثم خرج به إلى المقبرة ومعه عدد كثير من العساكر، فأمرهم أن يثوروا فيه البنادق والقرابين فثوروها فيه وجمع لحمه بعد ذلك قطعاً.... وعذب الشيخ أحمد بن عفالق وقلعت جميع أضراسه وضرب..إلخ).
أما كتاب (إمتاع السامر) الذي تولى أستاذنا الرويشد الرد عليه مع اثنين من المهتمين، فلست بصدد الدفاع عما احتواه من أخطاء وخرافات لكن ذلك لا ينفي أن به بعض المعلومات الصحيحة التي لم تعجب أستاذنا فنفاها بحجة (لم توردها المصادر التي بين أيدينا) وبناء على هذه القاعدة فكل مالم تورده مصادر تاريخ الجزيرة العربية فليس صحيحاً عند أستاذنا، ومعلوم أن بعض ما سجله مؤرخو الجزيرة المتأخرين لم يسجله من قبلهم أو من عاصرهم بل تفردوا به فهل نرده! ومعلوم أن الجهل بالشيء ليس من العلم في شيء، إذ هو نفيٌ، أما العلم فيقوم على الإثبات! هذا ما أحببت إضافته تعليقاً على بعض ما سطره يراع أستاذنا عبدالرحمن الرويشد، وما دامت مثل تلك الكتابات تذكي أوار قلمه فلن أتوقف عن استفزازه طلباً للاستزادة من معين علمه وبالتأكيد أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
الرابط
http://www.al-jazirah.com/147499/wo4d.htm
المصادر التاريخية ليست شمساً تغطي كافة التفاصيل
عبدالحكيم بن عبدالرحمن العواد
تلقيت بكل سرور وبهجة تعليق أستاذنا عبدالرحمن الرويشد على بعض ما كتبته في هذه الصفحة عن تاريخ غصيبة، وحق لمثلي أن يسر فيكفي أن قلمي قد نفخ الرماد الذي غطى جمر إبداعاته فعاد يشتعل وهذا عهدنا بجمر الغضى لا يموت، فقد افتقدنا كتاباته وتعليقاته السديدة خصوصاً فيما يتعلق بتاريخ نجد، ولسان حالي يقول كما قال ابن الدمينة:
لئن ساءني أن نلتَني بمساءة ٍ
فقد سرني أني خطرت ببالك
فكيف بي وقد سرني تعقيبه كثيراً! ويا ليت أستاذنا أطنب ولم يوجز وشمل بملاحظاته القيمة كامل النص.
وفيما يخص ما أبداه أستاذنا الرويشد من ملاحظات حول القذائف المجوفة المملوءة بالمسامير التي استخدمتها قوات إبراهيم باشا في حرب غصيبة، فإن عدم ذكر المصادر التي وصفت معارك الدرعية لها لا ينف وجودها، فتلك المصادر ليست شمساً تغطي كافة التفاصيل الدقيقة ومصادر المعلومات، وقد ذكرت أن تلك التفاصيل قد فات المصادر المعنية بتسجيل أحداث تلك الفترة توثيقها، ومثل ذلك مشاهد في كثير من الأحداث عبر التاريخ، فالتاريخ الشفوي - وهو ما اهتمت بتوثيقه دارة الملك عبدالعزيز مؤخراً - لا يقل أهمية عن التاريخ المكتوب خاصة إذا ما علمنا أن الأمية في نجد منتشرة آنذاك وقليل من يستطيع الكتابة وتسجيل الأحداث في حينها.
ومسألة استغراب أستاذنا الرويشد لوجود تلك الأنواع من (القبس) إلى جانب القبس ذي الرسن والسلاسل شأن خاص به، ذلك أن من رأى ليس كمن سمع، فقد ذكر لي والدي أنه وأخوته ومنذ نحو ستين سنة عندما كانوا ينقلون الأنقاض والأتربة من تحت الجدران المتهدمة في غصيبة لتفريقها في أحواض المزرعة - وقد كانت مزرعتنا المسماة (المطيوية) ملاصقة تماماً لبلدة غصيبة من الجهة الشرقية - كانوا كثيراً ما يجدون أنواعاً مختلفة من قذائف المدفعية مطمورة تحت التراب، فتارة يجدون القبس، وهي القذائف التي بالكاد تحتويها كفي الرجل ومفرغة من الداخل وفيها ثقب باتساع نحو اثنين (سم) وبداخلها قطع مسمارية بطول الخنصر ويعترض في فوهتها مسمار متصلة به سلسلة في طرفها حلقة وعند سؤالهم لجدتهم عن تلكم القذائف أخبرتهم أنها كانت تسمع قديماً أن الباشا يربط الكلاب في سلاسل القبس ويطلقها على أهل غصيبة وتارة يجدون القبس آنف الذكر وقد تكسر إلى قطع مختلفة بعد انفجاره وتناثر مساميره، وتلك القذائف الغرض منها هدم الجدران ثم قتل الناس، وأحيانا يجدون قذائف بحجم كرة التنس الأرضي وهي مصمته (غير مجوفة) وهي ما تسمى (القلول) والغرض منها هدم الجدران فقط، ولا زلت أحتفظ ببعض القبس المتكسر والقلول الكامل، ولا أستبعد أن تلك القبوس والقلول لازالت موجودة تحت المتبقي من أنقاض غصيبة الأمر الذي يستدعي القيام بحفريات في البلدة لاكتشافها وغيرها من متعلقات السكان آنذاك وبرفقه صورة للمدافع التي استخدمها أهل الدرعية في الدفاع عنها.
أما مقارنته بين ربط الكلاب في قذائف المدفعية وإطلاقها على غصيبة وما ذكر في كتاب (إمتاع السامر) من تدريب العسيريين للقردة واستخدامها في الحروب فهي مقارنة غير صحيحة، فبغض النظر عما ورد في كتاب (إمتاع السامر) فإن الباشا لا يحتاج إلى تدريب الكلاب على النباح بعد إطلاقها في الهواء، فيكفي القبض على الكلاب الضالة في المنطقة وربطها في السلاسل وإطلاقها في الهواء وباقي الخطة ستنفذها الكلاب بدون توصية أو تدريب! ولم أزعم أن إيجاد تلك القصص الهدف منه تبرير انهزام أهل الدرعية كما ظنه أستاذنا! فتلك الكلاب كما ذكرت تخيف النساء والأطفال فقط، أما تفنن الباشا في التعذيب النفسي والبدني والقتل البشع فقد فاق ما ذكرته، فقد ذكرت بعضه المصادر التي سجلت أحداث تلك الحقبة ومنها ابن بشر أن القوات التركية (لم تتورع عن إيذاء العلماء وتحقيرهم وقتلهم صبراً وتعذيبهم والتمثيل بهم.
ومن ذلك ما جرى للشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، الذي تهدده الباشا وأمر على آلات اللهو والرباب فجروها عنده إرغاماً له ثم خرج به إلى المقبرة ومعه عدد كثير من العساكر، فأمرهم أن يثوروا فيه البنادق والقرابين فثوروها فيه وجمع لحمه بعد ذلك قطعاً.... وعذب الشيخ أحمد بن عفالق وقلعت جميع أضراسه وضرب..إلخ).
أما كتاب (إمتاع السامر) الذي تولى أستاذنا الرويشد الرد عليه مع اثنين من المهتمين، فلست بصدد الدفاع عما احتواه من أخطاء وخرافات لكن ذلك لا ينفي أن به بعض المعلومات الصحيحة التي لم تعجب أستاذنا فنفاها بحجة (لم توردها المصادر التي بين أيدينا) وبناء على هذه القاعدة فكل مالم تورده مصادر تاريخ الجزيرة العربية فليس صحيحاً عند أستاذنا، ومعلوم أن بعض ما سجله مؤرخو الجزيرة المتأخرين لم يسجله من قبلهم أو من عاصرهم بل تفردوا به فهل نرده! ومعلوم أن الجهل بالشيء ليس من العلم في شيء، إذ هو نفيٌ، أما العلم فيقوم على الإثبات! هذا ما أحببت إضافته تعليقاً على بعض ما سطره يراع أستاذنا عبدالرحمن الرويشد، وما دامت مثل تلك الكتابات تذكي أوار قلمه فلن أتوقف عن استفزازه طلباً للاستزادة من معين علمه وبالتأكيد أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
الرابط
http://www.al-jazirah.com/147499/wo4d.htm