أبن شـــلاّح
25-Feb-2007, 11:02 AM
http://www.mutair.ws/hello.png
http://www.almeshkat.net/vb/images/bism.gif
هوبر في الجزيرة العربية
فوائد وتعليقات
الأخوة الكرام
السلام عليكم ورحمة الله
يعتبر الرحالة الألماني المنشأ الفرنسي الجنسية شارل هوبر من أبرز الرحالة الأجانب الذين جالوا في شمال الحجاز والجزيرة العربية، وترجع أهميته تلك إلى كونه أسهم بنصيب وافر في إماطة اللثام عن تاريخ شمال الجزيرة العربية القديم، حيث درس بعض المواضع ذات الأهمية التاريخية في تلك الناحية كتيماء والعلا ومدائن صالح وخيبر، يضاف إلى ذلك ملاحظاته القيمة حول معالم الأرض وتضاريسها وطبيعتها الجغرافية في الصحارى العربية التي اجتازها برفقة أدلائه فيما بين المدن والقرى التي زارها، ولعل اكتشافه لحجر تيماء الأشهر يمكن أن يعد أبرز إنجاز وسبق تاريخي قام به رحالة أجنبي قط في شمال الحجاز، فقد جلى لنا هذا الحجر المستطيل ذو النقوش والصور أو هذه المسلة التاريخية إن شئت - جلى لنا ما كان عليه عرب شمال الحجاز قبل الميلاد بقرون من أحوال دينية وأعراف قانونية وتنظيمات زراعية لا تنتعش إلا في ظل المجتمعات الزراعية والمتحضرة المستقرة. غير أن هناك حدثاً آخر يضيف شأناً أو وزناً إلى رحلات هوبر في الجزيرة العربية وربما يميزه عن غيره ممن سبقه أو لحقه من الرحالة الآخرين، ألا هو كلفه وولعه الشديد بالرحلة الصحراوية بين معالم الجزيرة العربية، فهو بحق رحالة طلعة، وجغرافي أثري من الطراز الأول، فقد اضطلع بثلاث رحلات قيمة، انتهت الثالثة - ويا للأسف - بمصرعه على يد أدلائه، فأما الأولى فقد قام بها بمفرده، والثانية برفقة المستشرق اويتنج - الذي يظهر نفسه كمنافس له في اكتشاف حجر تمياء، بينما كان هوبر في الحقيقة يدل عليه بمعرفته بالمواضع الأثرية في الرحلة بحكم خبرته السابقة، أما الرحلة الثالثة لهوبر فقد بدأها فعلاً بمفرده منطلقاً من جدة ومستعيناً بأدلاء من رعايا ابن رشيد، الذي كان وقتها يبسط نفوذه على منطقة الجبل وأنحاء من شمال الحجاز، غير أن تلك الرحلة لم يكن لها لتكتمل بسبب مصرعه الأليم ذاك، فحالت أسباب المنون بينه وبين إتمامها، وهذا حدث يتوق الكثير لمعرفة تفاصيله.
وبين يدي الآن كتاب من القطع المتوسط (260 صفحة)، وهو عبارة عن ترجمة عربية لرحلات شارل هوبر في شمال الجزيرة العربية التي كتبها بالفرنسية، ونشرتها الجمعية الجغرافية الفرنسية برعاية عالم الساميات المستشرق رينان برفقة عالمين آخرين، وهذه الترجمة العربية معنونة ب(رحلة في الجزيرة العربية الوسطى) وقد قام بالترجمة الأستاذ إليسار سعادة وصدرت في بيروت عن دار (كتب) عام 2003 ، والكتاب يضم تفاصيل رحلة هوبر الأولى في شمال الحجاز وحائل والقصيم، ثم مغادرته إلى العراق فبلاد الشام عبر صحراء الحماد المعروفة قديماً ب(بادية الشام) خلال الأعوام 1878 - 1882م.
والكتاب ممتع بتفاصيله القيمة سواء على الصعيد الطبوغرافي في توصيف معالم الطريق وبسط الحديث عن طبيعة الأرض، أم على صعيد أحداث الرحلة وما تجشم الركب من مصاعب ومشاق، زد على ذلك أخبار وملاحظات مفيدة عن المدن القرى والسكان، ومستوى الزراعة والاقتصاد والتعليم أيضاً، كما نلمس ذلك جلياً في حديثه عن حائل ومدن وقرى القصيم مثلاً. وقد كان لي مع هذه الرحلة المترجمة وقفات أو مواضع للنظر أو لمزيد تأمل، وقد آثرت تناولها هنا في هذا المقال، وهذه جملة منها:
1 - مصرع شارل هوبر:
ففي هذا الكتاب الذي يحتوي رحلة هوبر الأولى تنبيه من الناشرين حول مصرع الرحالة الأليم في رحلته الأخيرة، وأرى أن الذين قرأوا في السابق عن مصرع الرحالة لا بد أنه قد ثار لديهم تساؤل عن طبيعة هذا الحدث، هل هو حادث مدبر أم حدث عرضي؟ هل هو بسبب تخالف الأهواء السياسية في الأخير وتعكر الأجواء بين الرحالة هوبر والسلطة العثمانية التي كان ابن رشيد يستظل بنفوذها، أم أنه كان حادثاً عارضاً تم لمجرد السلب والنهب شأنه شأن أي حادث نهب مما كانت تتعرض له القوافل وقتها؟ لكن القارئ الفاحص أو المتأمل لا يلبث أن يغلب الرأي الأول، لأن هوبر قتل على يد أدلائه الذين استأجرهم ووثق بهم، وليس على يد غزو أو جماعة من اللصوص، فمن غير المعقول أن يقتل الرحالة على يد أدلائه الذين سبق أن استعان بهم إلا إذا كانت قد حيكت له مؤامرة، وهذا ما وقع لهوبر في رحلته الأخيرة. والحاصل أن هوبر غادر جدة منطلقاً في رحلته الثالثة داخل الجزيرة العربية، وكان هوبر حينها بصحبه خادمه الوفي محمود ودليلين معه من رعايا ابن رشيد، وخلال الطريق كان هوبر ودليلاه يبتعدان عن الطريق أحياناً لتدوين بعض الكتابات أو لتسجيل بعض الملاحظات العلمية، وفي إحدى المرات جاء الخادم إليهم في إحدى خرجاتهم تلك فوجد الدليلين واقفين ومعهما سيده هوبر ممدداً على الأرض وملتحفاً ببشته العربي وكأنه نائم، فحسب الخادم أنه نائم حقاً، لكنه لم يرجع البصر حتى رأى الدم يخضب شق رأس سيده الأيمن، فقد كان جثة هامدة، وأغلب الظن أن هوبر قد تلقى طلقة مسدس عن قرب بينما كان نائماً، وبعد يومين استطاع الخادم الهرب من أسر ذينك الدليلين، ومن ثم السفر لحائل ثم بعد مدة رجع أدراجه إلى جدة ليخبر القنصل الفرنسي الذي كان هوبر قد فصل عنه فيما كان يرتب لرحلته الأخيرة تلك.
2 - تعليم البنات:
كانت رحلة هوبر هذه في عام 1878 أي قبل قرن وثلث تقريباً، وأثناء حديثه عن المدن والقرى يذكر عدد المساجد ويورد شيئاً عن مستوى تعليم الناس ممن كانوا يديرون البلد أو يشغلون بعض المناصب فيه، فمثلاً عند زيارته لعنيزة يذكر أنه وجد خمسة عشر مسجداً وأربع مدارس، واحدة منها للبنات، وربما يعني بالمدارس الكتاتيب، أو الأروقة الملحقة بالمساجد، غير أن اللافت حقاً هو وجود إحداها لتعليم البنات في ذلك الوقت وفي ذلك المكان في قلب نجد، التي قد تتهم في ذلك الوقت من قبل البعض بالتزمت الذي يؤدي لحرمان المرأة من حق التعليم، وإن كان تعليم البنات ليس غريباً على البيئة العربية الإسلامية.
3 - الدراويش:
يتحدث هوبر وهو في طريق رحلته أنه ربما وجدوا أثناء الطريق - وتتكرر هذه - أحاداً أو أعداداً من الحجاج الدراويش يسيرون في طريق السابلة في عرض الصحراء بلا زاد وبلا راحلة وبلا رفقه، والدرويش عند الرحالة يعني من يحج من بلده سيراً على الأقدام، يقول هوبر: ما إن أوشكنا أن ندخل وادي السرحان حتى صادفنا شخصاً معه ثلاثة أشخاص يحتضرون وعلى مقربة جثة، كانوا أربعة دراويش قد تجرأوا على مغادرة الجوف منذ ثمانية أيام سيراً على الأقدام قاصدين كاف ومنها دمشق دون ماء ودون مؤن تقريباً، ويضيف واصفاً حالهم المؤسفة لقد كانوا (جلداً على عظم) من العطش والجهد، غير أن هوبر ورفاقه أسعفوهم بشيء من الماء والطعام. كما أنهم وجدوا درويشاً آخر اخترق النفوذ وحده بين جبة والجوف فوجد ميتاً عند أحد الآبار لأنه عدم الوسيلة التي يستقي بها من البئر، وهذه الحالة التي كان عليها هؤلاء الدراويس من اختراق هذه المفاوز والفلاوات المَخُوفة بلا راحلة وبلا زاد وبلا قافلة ترد كثيراً عند رحالة آخرين كبوركهارت واويتنج مثلاً، بل إنها استمرت حتى العصر الحديث ممن يحج على قدميه ويضرب في البوادي والقفار على غير رفقة أو زاد، ويذكر ابن ربيعة الذي حج من الزبير عام 1345هـ أنهم التقوا في طريقهم ولما ينفصلوا عن العراق ببعض الدراويش من الحجاج الهنود، غير أنهم عطفوا عليهم وآووهم إلى رحالهم، فالتزم نفر من الركب أن يضم كل واحد منهم درويشاً إليه ويصبح معيناً له طوال الرحلة، وأحياناً يتخلف درويش من هؤلاء عن القافلة أو يضل عنها في البرية أثناء الليل فيشرع ابن ربيعة ورفاقه في البحث عنه في الصباح إلى أن يجدوه، ويبدو أن خروج هؤلاء الحجاج العزل رسم أو عادة قديمة، ففي مقامات الحريري مثلاً نجد شخصية الواعظ الفقير الرحال التي يمثلها أبو زيد السروجي، ذلك الواعظ الذي يتوخى المسير في طرق السابلة والقوافل، وينضم إليها ثم يعظ أهلها ويذكرهم بالآخرة، بينما هو في الواقع يستمنحهم ويستدر عطاءهم بوعظه وتذكيره.
وفي رأيي أن خروج هؤلاء الدراويش هكذا في المسير للحج على أقدامهم من غير اتخاذ للاهبة اللازمة ولا توخ لأمان الطريق والرفقة فيه سوء فهم لشرط الاستطاعة في الحج، أعني}مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}.
4- الطريق بين خيبر والحائط:
ومما تتميّز به هذه الرحلة وصف الطريق فيما بين خيبر وبلدة الحائط.. المعروفة قديماً بفدك، وهي طريق وعرة خشنة تأخذ على متن الحرة وقلما سلكها الرحالة من قبل، وربما يكون هوبر وداوتي هما الرحالة الوحيدين ممن تهيأ له سلوك هذا الطريق المضنية للركب، وكانت الطريق تأخذ أحياناً في مجاري الأودية، غير أنها في أحيان كثيرة تسير بين أحجار كبيرة من الطفح البركاني المتصلب وأحياناً تسير فوق تجاويف وفقاقيع صخرية تبدو للرائي وكأنها حديد مصهور، ولا دليل هناك على اتجاه الطريق أو الوجهة القصد إلا بتتبع بعر الجمال على صخور الحرة التي لم يؤثّر بها مسير القوافل - كما يقول هوبر - طوال خمسين قرناً مضت. وقد سلك هوبر مع أدلائه العرب طريقاً يقع إلى الشمال من الرأس الأبيض، وهو الجبل الذي يعتبر قمة الحرة، أي حرة خيبر، ويبدو أن الطريق إلى الجنوب منه يتعذر سلوكها على القوافل على جهة القصد (أي من غير استدارة أو التفاف)، لوجود ألسنة وخلجان من اللابة أو الصهارة البركانية المرتفعة والممتدة على مسافة ليست بالقليلة، وقد وصل هوبر في النهاية إلى بلدة الحائط وشاهد ما فيها من آثار ونخبل وعيون، ثم اتجه منها نحو حائل.
وتقبلوا خالص التحية والتقدير ،،،
http://www.mutair.ws/images/ataqallah.jpg
وتقبلوا تحيات :
محمد الشــلاّحي
منسق موقع قبيلة مطير
على قدر أهل العزم تأتي العزائم = وتاتي على قدر الكرام المكارم
ويعظم في عين الصغير صغارها = ويصغر في عين العظيم العظائم
والسلام عليكم ورحمة الله
http://www.almeshkat.net/vb/images/bism.gif
هوبر في الجزيرة العربية
فوائد وتعليقات
الأخوة الكرام
السلام عليكم ورحمة الله
يعتبر الرحالة الألماني المنشأ الفرنسي الجنسية شارل هوبر من أبرز الرحالة الأجانب الذين جالوا في شمال الحجاز والجزيرة العربية، وترجع أهميته تلك إلى كونه أسهم بنصيب وافر في إماطة اللثام عن تاريخ شمال الجزيرة العربية القديم، حيث درس بعض المواضع ذات الأهمية التاريخية في تلك الناحية كتيماء والعلا ومدائن صالح وخيبر، يضاف إلى ذلك ملاحظاته القيمة حول معالم الأرض وتضاريسها وطبيعتها الجغرافية في الصحارى العربية التي اجتازها برفقة أدلائه فيما بين المدن والقرى التي زارها، ولعل اكتشافه لحجر تيماء الأشهر يمكن أن يعد أبرز إنجاز وسبق تاريخي قام به رحالة أجنبي قط في شمال الحجاز، فقد جلى لنا هذا الحجر المستطيل ذو النقوش والصور أو هذه المسلة التاريخية إن شئت - جلى لنا ما كان عليه عرب شمال الحجاز قبل الميلاد بقرون من أحوال دينية وأعراف قانونية وتنظيمات زراعية لا تنتعش إلا في ظل المجتمعات الزراعية والمتحضرة المستقرة. غير أن هناك حدثاً آخر يضيف شأناً أو وزناً إلى رحلات هوبر في الجزيرة العربية وربما يميزه عن غيره ممن سبقه أو لحقه من الرحالة الآخرين، ألا هو كلفه وولعه الشديد بالرحلة الصحراوية بين معالم الجزيرة العربية، فهو بحق رحالة طلعة، وجغرافي أثري من الطراز الأول، فقد اضطلع بثلاث رحلات قيمة، انتهت الثالثة - ويا للأسف - بمصرعه على يد أدلائه، فأما الأولى فقد قام بها بمفرده، والثانية برفقة المستشرق اويتنج - الذي يظهر نفسه كمنافس له في اكتشاف حجر تمياء، بينما كان هوبر في الحقيقة يدل عليه بمعرفته بالمواضع الأثرية في الرحلة بحكم خبرته السابقة، أما الرحلة الثالثة لهوبر فقد بدأها فعلاً بمفرده منطلقاً من جدة ومستعيناً بأدلاء من رعايا ابن رشيد، الذي كان وقتها يبسط نفوذه على منطقة الجبل وأنحاء من شمال الحجاز، غير أن تلك الرحلة لم يكن لها لتكتمل بسبب مصرعه الأليم ذاك، فحالت أسباب المنون بينه وبين إتمامها، وهذا حدث يتوق الكثير لمعرفة تفاصيله.
وبين يدي الآن كتاب من القطع المتوسط (260 صفحة)، وهو عبارة عن ترجمة عربية لرحلات شارل هوبر في شمال الجزيرة العربية التي كتبها بالفرنسية، ونشرتها الجمعية الجغرافية الفرنسية برعاية عالم الساميات المستشرق رينان برفقة عالمين آخرين، وهذه الترجمة العربية معنونة ب(رحلة في الجزيرة العربية الوسطى) وقد قام بالترجمة الأستاذ إليسار سعادة وصدرت في بيروت عن دار (كتب) عام 2003 ، والكتاب يضم تفاصيل رحلة هوبر الأولى في شمال الحجاز وحائل والقصيم، ثم مغادرته إلى العراق فبلاد الشام عبر صحراء الحماد المعروفة قديماً ب(بادية الشام) خلال الأعوام 1878 - 1882م.
والكتاب ممتع بتفاصيله القيمة سواء على الصعيد الطبوغرافي في توصيف معالم الطريق وبسط الحديث عن طبيعة الأرض، أم على صعيد أحداث الرحلة وما تجشم الركب من مصاعب ومشاق، زد على ذلك أخبار وملاحظات مفيدة عن المدن القرى والسكان، ومستوى الزراعة والاقتصاد والتعليم أيضاً، كما نلمس ذلك جلياً في حديثه عن حائل ومدن وقرى القصيم مثلاً. وقد كان لي مع هذه الرحلة المترجمة وقفات أو مواضع للنظر أو لمزيد تأمل، وقد آثرت تناولها هنا في هذا المقال، وهذه جملة منها:
1 - مصرع شارل هوبر:
ففي هذا الكتاب الذي يحتوي رحلة هوبر الأولى تنبيه من الناشرين حول مصرع الرحالة الأليم في رحلته الأخيرة، وأرى أن الذين قرأوا في السابق عن مصرع الرحالة لا بد أنه قد ثار لديهم تساؤل عن طبيعة هذا الحدث، هل هو حادث مدبر أم حدث عرضي؟ هل هو بسبب تخالف الأهواء السياسية في الأخير وتعكر الأجواء بين الرحالة هوبر والسلطة العثمانية التي كان ابن رشيد يستظل بنفوذها، أم أنه كان حادثاً عارضاً تم لمجرد السلب والنهب شأنه شأن أي حادث نهب مما كانت تتعرض له القوافل وقتها؟ لكن القارئ الفاحص أو المتأمل لا يلبث أن يغلب الرأي الأول، لأن هوبر قتل على يد أدلائه الذين استأجرهم ووثق بهم، وليس على يد غزو أو جماعة من اللصوص، فمن غير المعقول أن يقتل الرحالة على يد أدلائه الذين سبق أن استعان بهم إلا إذا كانت قد حيكت له مؤامرة، وهذا ما وقع لهوبر في رحلته الأخيرة. والحاصل أن هوبر غادر جدة منطلقاً في رحلته الثالثة داخل الجزيرة العربية، وكان هوبر حينها بصحبه خادمه الوفي محمود ودليلين معه من رعايا ابن رشيد، وخلال الطريق كان هوبر ودليلاه يبتعدان عن الطريق أحياناً لتدوين بعض الكتابات أو لتسجيل بعض الملاحظات العلمية، وفي إحدى المرات جاء الخادم إليهم في إحدى خرجاتهم تلك فوجد الدليلين واقفين ومعهما سيده هوبر ممدداً على الأرض وملتحفاً ببشته العربي وكأنه نائم، فحسب الخادم أنه نائم حقاً، لكنه لم يرجع البصر حتى رأى الدم يخضب شق رأس سيده الأيمن، فقد كان جثة هامدة، وأغلب الظن أن هوبر قد تلقى طلقة مسدس عن قرب بينما كان نائماً، وبعد يومين استطاع الخادم الهرب من أسر ذينك الدليلين، ومن ثم السفر لحائل ثم بعد مدة رجع أدراجه إلى جدة ليخبر القنصل الفرنسي الذي كان هوبر قد فصل عنه فيما كان يرتب لرحلته الأخيرة تلك.
2 - تعليم البنات:
كانت رحلة هوبر هذه في عام 1878 أي قبل قرن وثلث تقريباً، وأثناء حديثه عن المدن والقرى يذكر عدد المساجد ويورد شيئاً عن مستوى تعليم الناس ممن كانوا يديرون البلد أو يشغلون بعض المناصب فيه، فمثلاً عند زيارته لعنيزة يذكر أنه وجد خمسة عشر مسجداً وأربع مدارس، واحدة منها للبنات، وربما يعني بالمدارس الكتاتيب، أو الأروقة الملحقة بالمساجد، غير أن اللافت حقاً هو وجود إحداها لتعليم البنات في ذلك الوقت وفي ذلك المكان في قلب نجد، التي قد تتهم في ذلك الوقت من قبل البعض بالتزمت الذي يؤدي لحرمان المرأة من حق التعليم، وإن كان تعليم البنات ليس غريباً على البيئة العربية الإسلامية.
3 - الدراويش:
يتحدث هوبر وهو في طريق رحلته أنه ربما وجدوا أثناء الطريق - وتتكرر هذه - أحاداً أو أعداداً من الحجاج الدراويش يسيرون في طريق السابلة في عرض الصحراء بلا زاد وبلا راحلة وبلا رفقه، والدرويش عند الرحالة يعني من يحج من بلده سيراً على الأقدام، يقول هوبر: ما إن أوشكنا أن ندخل وادي السرحان حتى صادفنا شخصاً معه ثلاثة أشخاص يحتضرون وعلى مقربة جثة، كانوا أربعة دراويش قد تجرأوا على مغادرة الجوف منذ ثمانية أيام سيراً على الأقدام قاصدين كاف ومنها دمشق دون ماء ودون مؤن تقريباً، ويضيف واصفاً حالهم المؤسفة لقد كانوا (جلداً على عظم) من العطش والجهد، غير أن هوبر ورفاقه أسعفوهم بشيء من الماء والطعام. كما أنهم وجدوا درويشاً آخر اخترق النفوذ وحده بين جبة والجوف فوجد ميتاً عند أحد الآبار لأنه عدم الوسيلة التي يستقي بها من البئر، وهذه الحالة التي كان عليها هؤلاء الدراويس من اختراق هذه المفاوز والفلاوات المَخُوفة بلا راحلة وبلا زاد وبلا قافلة ترد كثيراً عند رحالة آخرين كبوركهارت واويتنج مثلاً، بل إنها استمرت حتى العصر الحديث ممن يحج على قدميه ويضرب في البوادي والقفار على غير رفقة أو زاد، ويذكر ابن ربيعة الذي حج من الزبير عام 1345هـ أنهم التقوا في طريقهم ولما ينفصلوا عن العراق ببعض الدراويش من الحجاج الهنود، غير أنهم عطفوا عليهم وآووهم إلى رحالهم، فالتزم نفر من الركب أن يضم كل واحد منهم درويشاً إليه ويصبح معيناً له طوال الرحلة، وأحياناً يتخلف درويش من هؤلاء عن القافلة أو يضل عنها في البرية أثناء الليل فيشرع ابن ربيعة ورفاقه في البحث عنه في الصباح إلى أن يجدوه، ويبدو أن خروج هؤلاء الحجاج العزل رسم أو عادة قديمة، ففي مقامات الحريري مثلاً نجد شخصية الواعظ الفقير الرحال التي يمثلها أبو زيد السروجي، ذلك الواعظ الذي يتوخى المسير في طرق السابلة والقوافل، وينضم إليها ثم يعظ أهلها ويذكرهم بالآخرة، بينما هو في الواقع يستمنحهم ويستدر عطاءهم بوعظه وتذكيره.
وفي رأيي أن خروج هؤلاء الدراويش هكذا في المسير للحج على أقدامهم من غير اتخاذ للاهبة اللازمة ولا توخ لأمان الطريق والرفقة فيه سوء فهم لشرط الاستطاعة في الحج، أعني}مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}.
4- الطريق بين خيبر والحائط:
ومما تتميّز به هذه الرحلة وصف الطريق فيما بين خيبر وبلدة الحائط.. المعروفة قديماً بفدك، وهي طريق وعرة خشنة تأخذ على متن الحرة وقلما سلكها الرحالة من قبل، وربما يكون هوبر وداوتي هما الرحالة الوحيدين ممن تهيأ له سلوك هذا الطريق المضنية للركب، وكانت الطريق تأخذ أحياناً في مجاري الأودية، غير أنها في أحيان كثيرة تسير بين أحجار كبيرة من الطفح البركاني المتصلب وأحياناً تسير فوق تجاويف وفقاقيع صخرية تبدو للرائي وكأنها حديد مصهور، ولا دليل هناك على اتجاه الطريق أو الوجهة القصد إلا بتتبع بعر الجمال على صخور الحرة التي لم يؤثّر بها مسير القوافل - كما يقول هوبر - طوال خمسين قرناً مضت. وقد سلك هوبر مع أدلائه العرب طريقاً يقع إلى الشمال من الرأس الأبيض، وهو الجبل الذي يعتبر قمة الحرة، أي حرة خيبر، ويبدو أن الطريق إلى الجنوب منه يتعذر سلوكها على القوافل على جهة القصد (أي من غير استدارة أو التفاف)، لوجود ألسنة وخلجان من اللابة أو الصهارة البركانية المرتفعة والممتدة على مسافة ليست بالقليلة، وقد وصل هوبر في النهاية إلى بلدة الحائط وشاهد ما فيها من آثار ونخبل وعيون، ثم اتجه منها نحو حائل.
وتقبلوا خالص التحية والتقدير ،،،
http://www.mutair.ws/images/ataqallah.jpg
وتقبلوا تحيات :
محمد الشــلاّحي
منسق موقع قبيلة مطير
على قدر أهل العزم تأتي العزائم = وتاتي على قدر الكرام المكارم
ويعظم في عين الصغير صغارها = ويصغر في عين العظيم العظائم
والسلام عليكم ورحمة الله