أبن ســنيّن
19-Oct-2005, 01:42 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الأحاديث هل هي صحيحة أم لا
سُئِلَ عن بعض الأحاديث هل هي صحيحة أم لا ؟ وَسُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه عن أحاديث، هل هي صحيحة وهل رواها أحد من المعتبرين بإسناد صحيح ؟..الخ.
فقال:
وأما حديث فاتحة الكتاب، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يقول اللّه تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد:{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال اللّه: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قال اللّه: أثْنَى علي عبدي، وإذا قال:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال اللّه: مَجَّدَني عبدي . وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل)). وثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه، فقال: (( هذا باب من السماء فتح اليوم ولم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، ولم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك:فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته ))، وفى بعض الأحاديث: (( إن فاتحة الكتاب أعطيها من كَنْز تحت العرش )).
قال الله تعالى في أم القرآن والسبع المثاني والقرآن العظيم:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]،وهذه السورة هي أم القرآن،وهي فاتحة الكتاب،وهي السبع المثاني والقرآن العظيم،وهي الشافية،وهي الواجبة في الصلوات، لا صلاة إلا بها،وهى الكافية تكفي من غيرها ولا يكفي غيرها عنها .
والصلاة أفضل الأعمال، وهي مؤلفة من كلم طيب وعمل صالح، أفضل كلمها الطيب وأوجبه القرآن، وأفضل عملها الصالح وأوجبه السجود، كما جمع بين الأمرين في أول سورة أنزلها على رسوله، حيث افتتحها بقوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}[العلق:1] وختمها بقوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:19]، فوضعت الصلاة على ذلك أولها القراءة وآخرها السجود .
ولهذا قال سبحانه في صلاة الخوف: {فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ} [النساء: 102]، والمراد بالسجود الركعة التي يفعلونها وحدهم بعد مفارقتهم للإمام، وما قبل القراءة من تكبير واستفتاح، واستعاذة، هي تحريم للصلاة، ومقدمة لما بعده، أول ما يبتدئ به كالتقدمة، وما يفعل بعد السجود من قعود، وتشهد فيه التحية للّه، والسلام على عباده الصالحين والدعاء والسلام على الحاضرين، فهو تحليل للصلاة ومعقبة لما قبله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم )).
ولهذا لما تنازع العلماء أيما أفضل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام أو هما سواء على ثلاثة أقوال عن أحمد وغيره، كان الصحيح أنهما سواء، القيام فيه أفضل الأذكار، والسجود أفضل الأعمال فاعتدلا؛ ولهذا كانت صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم معتدلة، يجعل الأركان قريباً من السواء، وإذا أطال القيام طولاً كثيراً – كما كان يفعل في قيام الليل وصلاة الكسوف – أطال معه الركوع والسجود، وإذا اقتصد فيه اقتصد في الركوع والسجود، وأم الكتاب، كما أنها القراءة الواجبة فهي أفضل سورة في القرآن . قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (( لم ينزل في التوراة ولا الإنجيل ولا الزَّبُور ولا القرآن مثلها، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ))، وفضائلها كثيرة جداً .
وقد جاء مأثوراً عن الحسن البصري ـ رواه ابن ماجه وغيره ـ أن اللّه أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، جمع علمها في الأربعة، وجمع علم الأربعة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصَّل، وجمع علم المفصل في أم القرآن، وجمع علم أم القرآن في هاتين الكلمتين الجامعتين: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] وإن علم الكتب المنزلة من السماء اجتمع في هاتين الكلمتين الجامعتين .
ولهذا ثبت في الحديث الصحيح حديث: إن اللّه تعالى يقول:(( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال اللّه: حمدني عبدي، وإذا قال:{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قال اللّه: أثْنَى علي عبدي، وإذا قال:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال اللّه عز وجل: مَجَّدَني عبدي – وفى رواية: فَوَّض إلى عبدي – وإذا قال:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال:{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل )).
فقد ثبت بهذا النص أن هذه السورة منقسمة بين اللّه وبين عبده وأن هاتين الكلمتين مقتسم السورة، فـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} مع ما قبله للّه، و{وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} مع ما بعده للعبد وله ما سأل؛ ولهذا قال من قال من السلف: نصفها ثناء ونصفها مسألة، وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاء .
وإذا كان اللّه قد فرض علينا أن نناجيه وندعوه بهاتين الكلمتين في كل صلاة، فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن نستعينه؛ إذ إيجاب القول الذي هو إقرار واعتراف ودعاء وسؤال هو إيجاب لمعناه ليس إيجابا لمجرد لفظ لا معنى له، فإن هذا لا يجوز أن يقع؛ بل إيجاب ذلك أبلغ من إيجاب مجرد العبادة والاستعانة؛ فإن ذلك قد يحصل أصله بمجرد القلب، أو القلب والبدن، بل أوجب دعاء اللّه ـ عز وجل ـ ومناجاته، وتكليمه ومخاطبته بذلك ليكون الواجب من ذلك كاملا صورة ومعنى بالقلب وبسائر الجسد .
وقد جمع بين هذين الأصلين الجامعين إيجاباً وغير إيجاب في مواضع، كقوله في آخر سورة هود: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود:123]، وقول العبد الصالح شعيب: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]، وقول إبراهيم والذين معه: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4]، وقوله ـ سبحانه ـ إذ أمر رسوله أن يقول: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [الرعد: 30].
فأمر نبيه بأن يقول:على الرحمن توكلت وإليه متاب،كما أمره بهما في قوله:{فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود:123] والأمر له أمر لأمته، وأمره بذلك في أم القرآن وفى غيرها لأمته ليكون فعلهم ذلك طاعة للّه وامتثالا لأمره، ولا يتقدموا بين يدي اللّه ورسوله؛ ولهذا كان عامة ما يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم والخالصون من أمته من الأدعية والعبادات وغيرها إنما هو بأمر من اللّه؛ بخلاف من يفعل ما لم يؤمر به وإن كان حسناً أو عفواً، وهذا أحد الأسباب الموجبة لفضله وفضل أمته على من سواهم، وفضل الخالصين من أمته على المشوبين الذين شابوا ما جاء به بغيره، كالمنحرفين عن الصراط المستقيم .
وإلى هذين الأصلين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد في عباداته وأذكاره ومناجاته، مثل قوله في الأضحية: (( اللهم هذا منك ولك ))، فإن قوله: (( منك )) هو معنى التوكل والاستعانة، وقوله:(( لك )) هو معنى العبادة، ومثل قوله في قيامه من الليل: (( لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنَبْت ، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أعوذ بعزتك،لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون )) إلى أمثال ذلك .
بسم الله الرحمن الرحيم
الأحاديث هل هي صحيحة أم لا
سُئِلَ عن بعض الأحاديث هل هي صحيحة أم لا ؟ وَسُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه عن أحاديث، هل هي صحيحة وهل رواها أحد من المعتبرين بإسناد صحيح ؟..الخ.
فقال:
وأما حديث فاتحة الكتاب، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يقول اللّه تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد:{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال اللّه: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قال اللّه: أثْنَى علي عبدي، وإذا قال:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال اللّه: مَجَّدَني عبدي . وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل)). وثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه، فقال: (( هذا باب من السماء فتح اليوم ولم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، ولم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك:فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته ))، وفى بعض الأحاديث: (( إن فاتحة الكتاب أعطيها من كَنْز تحت العرش )).
قال الله تعالى في أم القرآن والسبع المثاني والقرآن العظيم:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]،وهذه السورة هي أم القرآن،وهي فاتحة الكتاب،وهي السبع المثاني والقرآن العظيم،وهي الشافية،وهي الواجبة في الصلوات، لا صلاة إلا بها،وهى الكافية تكفي من غيرها ولا يكفي غيرها عنها .
والصلاة أفضل الأعمال، وهي مؤلفة من كلم طيب وعمل صالح، أفضل كلمها الطيب وأوجبه القرآن، وأفضل عملها الصالح وأوجبه السجود، كما جمع بين الأمرين في أول سورة أنزلها على رسوله، حيث افتتحها بقوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}[العلق:1] وختمها بقوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:19]، فوضعت الصلاة على ذلك أولها القراءة وآخرها السجود .
ولهذا قال سبحانه في صلاة الخوف: {فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ} [النساء: 102]، والمراد بالسجود الركعة التي يفعلونها وحدهم بعد مفارقتهم للإمام، وما قبل القراءة من تكبير واستفتاح، واستعاذة، هي تحريم للصلاة، ومقدمة لما بعده، أول ما يبتدئ به كالتقدمة، وما يفعل بعد السجود من قعود، وتشهد فيه التحية للّه، والسلام على عباده الصالحين والدعاء والسلام على الحاضرين، فهو تحليل للصلاة ومعقبة لما قبله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم )).
ولهذا لما تنازع العلماء أيما أفضل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام أو هما سواء على ثلاثة أقوال عن أحمد وغيره، كان الصحيح أنهما سواء، القيام فيه أفضل الأذكار، والسجود أفضل الأعمال فاعتدلا؛ ولهذا كانت صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم معتدلة، يجعل الأركان قريباً من السواء، وإذا أطال القيام طولاً كثيراً – كما كان يفعل في قيام الليل وصلاة الكسوف – أطال معه الركوع والسجود، وإذا اقتصد فيه اقتصد في الركوع والسجود، وأم الكتاب، كما أنها القراءة الواجبة فهي أفضل سورة في القرآن . قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (( لم ينزل في التوراة ولا الإنجيل ولا الزَّبُور ولا القرآن مثلها، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ))، وفضائلها كثيرة جداً .
وقد جاء مأثوراً عن الحسن البصري ـ رواه ابن ماجه وغيره ـ أن اللّه أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، جمع علمها في الأربعة، وجمع علم الأربعة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصَّل، وجمع علم المفصل في أم القرآن، وجمع علم أم القرآن في هاتين الكلمتين الجامعتين: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] وإن علم الكتب المنزلة من السماء اجتمع في هاتين الكلمتين الجامعتين .
ولهذا ثبت في الحديث الصحيح حديث: إن اللّه تعالى يقول:(( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال اللّه: حمدني عبدي، وإذا قال:{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قال اللّه: أثْنَى علي عبدي، وإذا قال:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال اللّه عز وجل: مَجَّدَني عبدي – وفى رواية: فَوَّض إلى عبدي – وإذا قال:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال:{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل )).
فقد ثبت بهذا النص أن هذه السورة منقسمة بين اللّه وبين عبده وأن هاتين الكلمتين مقتسم السورة، فـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} مع ما قبله للّه، و{وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} مع ما بعده للعبد وله ما سأل؛ ولهذا قال من قال من السلف: نصفها ثناء ونصفها مسألة، وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاء .
وإذا كان اللّه قد فرض علينا أن نناجيه وندعوه بهاتين الكلمتين في كل صلاة، فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن نستعينه؛ إذ إيجاب القول الذي هو إقرار واعتراف ودعاء وسؤال هو إيجاب لمعناه ليس إيجابا لمجرد لفظ لا معنى له، فإن هذا لا يجوز أن يقع؛ بل إيجاب ذلك أبلغ من إيجاب مجرد العبادة والاستعانة؛ فإن ذلك قد يحصل أصله بمجرد القلب، أو القلب والبدن، بل أوجب دعاء اللّه ـ عز وجل ـ ومناجاته، وتكليمه ومخاطبته بذلك ليكون الواجب من ذلك كاملا صورة ومعنى بالقلب وبسائر الجسد .
وقد جمع بين هذين الأصلين الجامعين إيجاباً وغير إيجاب في مواضع، كقوله في آخر سورة هود: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود:123]، وقول العبد الصالح شعيب: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]، وقول إبراهيم والذين معه: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4]، وقوله ـ سبحانه ـ إذ أمر رسوله أن يقول: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [الرعد: 30].
فأمر نبيه بأن يقول:على الرحمن توكلت وإليه متاب،كما أمره بهما في قوله:{فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود:123] والأمر له أمر لأمته، وأمره بذلك في أم القرآن وفى غيرها لأمته ليكون فعلهم ذلك طاعة للّه وامتثالا لأمره، ولا يتقدموا بين يدي اللّه ورسوله؛ ولهذا كان عامة ما يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم والخالصون من أمته من الأدعية والعبادات وغيرها إنما هو بأمر من اللّه؛ بخلاف من يفعل ما لم يؤمر به وإن كان حسناً أو عفواً، وهذا أحد الأسباب الموجبة لفضله وفضل أمته على من سواهم، وفضل الخالصين من أمته على المشوبين الذين شابوا ما جاء به بغيره، كالمنحرفين عن الصراط المستقيم .
وإلى هذين الأصلين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد في عباداته وأذكاره ومناجاته، مثل قوله في الأضحية: (( اللهم هذا منك ولك ))، فإن قوله: (( منك )) هو معنى التوكل والاستعانة، وقوله:(( لك )) هو معنى العبادة، ومثل قوله في قيامه من الليل: (( لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنَبْت ، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أعوذ بعزتك،لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون )) إلى أمثال ذلك .