المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وإذا مرُّوا بهم يتغامزون


أبن ســنيّن
25-Oct-2005, 05:01 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

وإذا مرُّوا بهم يتغامزون

من كتاب(الإســـلام وقضايا العصر)
للدكتور الشيخ / عائض بن عبدالله القرني

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
جلس عليه والصلاة والسلام يوماً مع أصحابه في المسجد يعلّمهم ويربّيهم ويزكيهم، وكام من الجلوس شاب صغير في السادسة عشرة من عمره اسمه عمير بن سعد مُلئ حكمة وإيماناً.
فذهب من المجلس ودخل على عمه – زوج أمه – وكان في الستين من عمره اسمه (الجلاس بن سويد)، وكان منافقاً.
فقال عمير بن سعد: يا عمّاه! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرنا عن الساعة حتى كأني أراها رأي العين.
فقال الجلاس بن سويد: يا عمير، والله إن كان محمد صادقاً فنحن شر من الحمير!!
فامتقع وجه عمير بن سعد واهتزّ جسمه لهذه الكلمة.
قال: يا عم، والله إنك كنت عندي من أحب الناس جميعاً، ووالله لقد أصبحت اليوم من أبغضهم جميعاً.
يا عم، أنا بين أثنتين: إما أن أخون الله ورسوله فلا أخير الرسول.. وإما أن أقطع علاقتي بك وليكن ما يكون وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلتَ.
وكلمة الجلاس معناها الكفر بلا إله إلا الله وعدم تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخبر.
فقال الجلاس بن سويد: أنت طفل غِرٌّ لا يصدّقك الناس، فقل ما شئت.
فذهب عثمير وجلس أمام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، الجلاس بن سويد خان الله ورسوله، وهو عمي وقد تبرأت إلى الله ثم إليك منه، فلا علاقة لي به.
قال: (( ماذا قال؟ )) فأخبره بالخبر.
فجمع الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة واستشارهم في هذا الكلام فقالوا: يا رسول الله هذا طفل لا تصدّقه وليس بواع، وهو ينقل الكلام وشاية على عمّه، والجلاس بن سويد يُصلي معنا وهو شيخ كبير وعاقل.
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصدق هذا الشاب.
فسالت دموع الشاب وانتفض جسمه والتفت إلى السماء فقال: اللهم إن كنت صادقاً فصدّقني، وإن كنت يا رب كاذباً فكذّبني.
فوالله ما غادر مجلسه وما قام من المسجد إلا وجبريل ينزل من فوق سبع سموات بالوحي بقوله تعالى : { يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ……{74} سورة التوبة.
فاستدعى الرسول صلى الله عليه وسلم الجلاس وسأله عن الكلمة، فحلف بالله أنه ما قالها.
فقال صلى الله عليه وسلم : (( يقول الله : { يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ……{74} سورة التوبة.
أما أنت يا جلاس فقد كفرت بالله فاستأنف توبتك لأن الله يقول : { فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ …{74} سورة التوبة.
واستدعى الرسول صلى الله عليه وسلم عُمير بن سعد وفرك أذنه وقال: (( لقد صدقك ربك )) (أخرج القصة الطبري في تفسيره…)
* يستفاد من هذه القصة أن هناك معسكراً كاملاٍ للسخرية والاستهزاء يستمر مع الصالحين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها
وهذا المعسكر يَلِغُ في أعراض الصالحين كما تلغ الكلاب في الماء : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً{31} سورة الفرقان.
يقول المتنبي:
كم تطلبون لنـا عيباٍ فيعجزكم === ويكره الله ما تأتـون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان عن ملأ === هم الثريا وذان الشيب والهرم
* ومعنى ذلك أن المستقيمين على أمر الله، والطائعين لله، والخائفين منه من شباب الالتزام ومن دُعاتهم، ومن علماء الأمة ومن صالحيها، ومن الذين يحملون سنته صلى الله عليه وسلم، يواجَهون بحرب دعائية مفتعلة لا هوادة فيها.
فهم يوصفون بالتزمُّت وقلَّة العقل والتشديد والتنفير وتكليف الناس بما لا يطاق، إلى غير ذلك من العبارات، { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً{5} سورة الكهف.
إن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم لم يقوموا بالجرائم التي تشيب منها الولدان.
إن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم لم يضايقوا الناس في أرزاقهم.
إن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم لم يعطّلوا مصالح الناس، ولم يستهزئوا بالفقراء، ولم يقفوا حَجَرَ عثرة في طريق المستضعفين.
إنهم هم الذين يبيّنون الظلم ويكشفون أوراقه ويقولون للظالم: اتقِ الله يا ظالم.
ويقفون على الفقراء والمستضعفين والمستذِلّيِن حتى يخذوا حقهم الشرعي الذي أحقه الله.
ولكن فريق المستهزئين لا يعجبه هذا، فهو يلصق بهم التهم تلو التهم، ويفتري عليهم ويسخر منهم ومن سننهم ومظاهرهم.
فحسبه الله الذي سيجازيه.
فالواجب على المسلم أمام هذا الصنف من الناس أن يصبر عل أذاهم وعلى سخريتهم، لأن الله يقول : { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً……{120} سورة آل عمران، فإنما هو كيد لا يوقف ولا يعطل مسيرة الدعوة.
ويقول سبحانه : { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ{29} وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ{30} وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ{31} وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ{32} وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ{33} فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ{34} عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ{35} هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ{36} سورة المطففين.
فالعاقبة للمتقين، وأما أهل السخرية والاستهزاء فإنهم يتمتعون قليلاً ثم يُرَدُّ إلى مولاهم، :{ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ{227} سورة الشعراء.
* ومن قصة الجلاس السابقة نستفيد أن الكفر أقرب إلى الإنسان من شِراك نعله، لأنه قد يكفر بكلمة يقولها وهو لا يحسب لها أي حساب.
ولذلك قال تعالى في الآية : { وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ……{74} سورة التوبة.
فهي كلمة لا يؤبه بها.
فالحذر الحذر من إطلاق الكلمات التي يُثَمِّنها صاحبها، خاصة في أمور الدين وأحكامه، وليكن المرء منشرح الصدر بالإيمان ولو كلّف ما كُلف.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

http://www.mutair.ws/images/ataqallah.jpg