كويتيkuw
13-Nov-2005, 09:56 AM
السلام عليكم ،،
الكاتب الكويتي / عبدالعزيز محمد عبدالله ... صاحب كتيب معركة الجهراء المشبوه .. والذي سبق لي أنتقاد ما جاء به من أخطاء تاريخية .. ومن العبث الواضح بنصوص المصادر ... وقد أوضحت بالماضي الأسباب الذي دفعته هو ومن هم على شاكلته لطرحه مثل هذه الأحداث التاريخية ...
عموماً ... قام مؤخراً بطرح كتيب آخر وهو ( العافور ) ... تتحدث عن قصة فتاة عراقية !!
حقيقة .. قصة تحمل كل أنواع السذاجة
لن أدخل بتفاصيلها .. فقد قام الناقد / عبدالكريم المقداد .. بنشر نقده وتعليقه على الكاتب و( العافور ) ... بجريدة الوطن الكويتية
وهذه مقتطفات مما جاء بالتعليق :
(( كتب عبدالكريم المقداد:
صحراء مترامية الاطراف، وبحر يتماوج على مد البصر، وما بينهما فرجان تتفصد فقراً وعرقاً، يذروها حر السموم والبوارح المحملة بالرمال والأتربة، أما ساكنوها فعلى ظهور الجمال في عمق الصحراء، أو على ظهور المراكب في عرض البحر، أو.. أمام بقبقة أركيلة القدو ودخانها، المتماوج نحو السماء كالأفاعي.
أجواء ضاربة في أعماق الماضي يستحضرها الروائي الكويتي عبدالعزيز محمد عبدالله في روايته الثانية (العافور) الصادرة عن دار قرطاس للنشر، وهي الدار التي نشرت روايته الأولى (كنز وغيوم وسماء) عام .2003
في (العافور) يعود الكاتب الى كويت ما قبل (السور) حيث تداخل القبائل وتنازعها المنتشرة في الجزيرة العربية، في زمن لم يكن فيه على تلك الارض دول مستقلة بذاتها كما المفهوم الحالي للدول حيث لم يكن هناك شيء اسمه دولة الكويت او دولة المملكة العربية السعودية او دولة العراق، بل قبائل استوطنت هذه او تلك المنطقة من الصحراء، ينخرها التعصب القبلي إلى حد العظم، وليس لمعدومي الحسب والنسب مكان فيها كما تذهب الرواية:
(ماذا يفعل.. هل يكذب.. هل يدعي مفتخراً بأنه عنزي لبوسه قز وطعنه خز.. أم يدعي بأنه ظفيري شديده بعيد متسربل الحديد. أم عجمي البيوت الكبار نزّال القرار.. أم شمري عظام الصحون وشاع الطعون.. أم مريّ ذبّاح الجوازي بعيد المغازي.. أم عتيبيّ العسيف أخّاذ الحفيف.. أم مطيريّ الذود المُفلّى والسبيب المُدلّى.. أم قحطانيّ عالي النجوع عظيم الجموع.. أم سبيعي من مروي السيوف مكرمي الضيوف.. أم دوسري ذو رمح جريد ورزق بعيد.. هل يكذب ليحظى بالاحترام وفنجانين آخرين من القهوة وبعض القدوع».
عبر تلك الآفاق يلاحق الكاتب محورين حكائيين رئيسيين، تخللهما عدد من المحاورالفرعية التي لم يكن لها من دور إلا القاء مزيد من الضوء على طبيعة الفترة الزمنية التي كان يحياها أناس تلك الحقبة، وعلى بيئتهم الصحراوية ومعتقداتهم.
المحور الأول هو حكاية الفتاة العراقية (زهرة) التي باعها اهلها للمجرم (عطوان العطار)، بعد ان أغراهم بالمال تارة، وأخافهم بالتهديد تارة أخرى، فوافقوا على تسليمها له كشاة تساق الى المقصب، لكن زهرة ترفض بشدة، وتصر على الزواج من حبيبها الذي يعمل اجيراً في دكان العطار (عطوان)، وهو ما دفع هذا الأخير إلى أخذ صبيه الأجير في رحلة صيد بحرية، ولم يره أحد بعدها، حيث ادعى عطوان ان الصبي تداعى بينما كان يجر شباك الصيد فهوى وسطها، والتفت عليه كأذرع الاخطبوط، وانزلقا معاً إلى الأعماق، وباءت كل محاولاته لإنقاذه بالفشل.
بعد مقتل حبيبها لم يبق أمام (زهرة) إلا الهروب من مصيرها المرعب، فتسللت مع حلول الظلام إلى شاطىء البحر، وانزوت في قعر أحد المراكب، الذي تحرك مع تباشير الصباح الأولى مبحراً دون أن يعلم صاحبه، التاجر الكويتي (اسماعيل)، أن لديه رفقة على مركبه.
هكذا، وبينما كان اسماعيل قابضاً على مقود مركبه، يلوك حبات التمر ويبصق نواتها في البحر، خرجت إليه (زهرة)، راجية متضرعة ان يساعدها، فظن في البداية أنها جنية الأعماق التي تخطف البحارة، لكنها سرعان ما بددت مخاوفه إذ حكت له قصتها واستحلفته أن يساعدها، بيد أنه يستعظم مسؤولية تهريبها واخفائها عن أهلها ويقرر ان يسلمها الى الشرطة (الفرظة) فور وصولها الكويت، إلا أنه وأمام دموع زهرة وخشيتها من أن تعيدها الشرطة إلى أهلها، وإلى عطوان العطار بالتالي، يقرر أن يصحبها معه إلى بيته حيث تعيش أمه وابنته.
إلام سيؤول مصير زهرة؟. هذا ما سنتلقفه كنتف حكائية من خلال فصول غير متعاقبة حكائية، تم تسخير أغلبها لحمل المحور الحكائي الثاني، الذي لا يرتبط مع الأول إلا بشخصية إسماعيل، حيث تتعدد فصول المحور الثاني لرصد حيثيات غزو (الدويش) للكويتيين، ثم وقوع الغزو وإصابة اسماعيل خلاله بإصابات غير مميتة، ثم علاجه إثرها في المستشفى الأمريكاني (المريكاني).
الأمر المثير للانتباه هو الأسباب التي بني عليها الغزو، لأنها مثلت اسقاطات جلية على واقعنا الحاضر، لا أدري إن كان الكاتب تقصّدها أو ساقها عفو الخاطر كواقعة تاريخية، ذلك أن الأسباب تمحورت حول تكفير (الدويشيين) للكويتيين لأنهم ينذرون ويبيتون عند ضريح الخضر، ويحتفلون بالمولد النبوي، ويشربون الدخان، ويستمعون لضرب الطنبورة والعود، وهو ما يحيلنا إلى الواقع الحالي المعيش، حيث راح المسلمون يكفرون بعضهم بعضاً بسبب تفسيرات وآراء يعتنقها قسم منهم، بينما لا يرى صوابها القسم الآخر، وهو ما انتهى الى مجازر من الدماء نتابعها بين آونة وأخرى.
أما الخطير في الأمر فهو أن الكاتب يقدم روايته مفترضا ان كل من سيقرأها لديه خلفية تاريخية عن موضوعها، لكن ماذا لو وقعت بين يدي قارىء لا يعرف «الدويش» ولا «ابن جلوي» او «ضيدان» او «راكان بن حثلين» او «الشيخ خزعل بن مرداو»؟ لا شك انه سيقع في جب لا قرار له من الغموض، الذي سيطيح بنص الرواية لارتكازه على اساسات موجودة في ذهن الكاتب فقط، بينما القارىء لا يعلم عنها شيئا، حيث عجزت الرواية عن ان تمده بما يؤهله لمواصلته الانسياق مع خطها الحكائي.
هنا، سيلاحق القارىء محور «زهرة ـ اسماعيل» وينصرف عن محور الغزو، ويعده مجرد اسقاطات تجاوزت الحد في سبيل اظهار ان «اسماعيل» شارك في الحرب، وهو ما كان بإمكان الكاتب ايصاله بفصل واحد لا أكثر من الفصول الكثيرة التي تناولت هذا المحور، اي الاستغناء عما يقارب نصف الرواية!
وما يضاعف من الالتباس ويحاصر الرواية ضمن حدود دولة الكويت، او دول الخليج العربية على أبعد تقدير اعتماد الكاتب الكثير من المفردات العامية وحشرها في سياق سرد الراوي على انها مفردات فصيحة، وهو ما يشتت الذهن اكثر ويوقع القارىء في حيرة من أمره، وللتمثيل نسوق بعض الجمل الواردة في النص واضعين المفردات المعنية بين قوسين:
ـ فلنباغت «مطقاقات» الأبواب النحاسية.
ـ عزفت عليه الشمس «أبيودتها» الدافئة.
ـ تتزاحم أكوام «الجاثح» عند فجوتي «مرازيم» صدر المركب.
ـ الكثبان «السنكباسية» المائلة للزرقة.
ـ رفع «استكانة» الشاي.. رفع «بيالة» الشاي.
ـ تأمل الشمس التي ألقت «باورتها» الذهبية في بحر من الخزف.
ـ يفترشان «يالا» واسعا.
ـ أفق أزرق تبعثره «أبلام» و«جلابيت».
ورغم ان الكاتب استطاع ان يلعب على وتري المحورين الحكائيين «زهرة ـ اسماعيل» و«الحرب» ببراعة فنية بادية، من خلال فصول غير متعاقبة حكائيا كان يدس في كل منها نتفا حكائية تنتمي لهذا المحور او ذاك، محافظا على قدر من التشويق يحث به خطى القارىء لمتابعة الرواية، الا ان القارىء كان يفاجأ في بعض الاحيان بمطبات مباغتة يقع فيها دون سابق انذار.
وما عنيته بالمطبات هي تلك الفصول التي دخلت نسيج الرواية، دون ان يكون لها ادنى علاقة بأي من المحورين الحكائيين، اللهم الا الاطناب في وصف البيئة وطبيعة الحياة والعلاقات التي كانت سائدة بين اقوام تلك الفترة، وهو ما لم تقصر في الكشف عنه الفصول الاخرى.
الفصول التي أعنيها، والتي جاءت مستقلة بذاتها حكائيا عن الهم الحكائي العام للرواية هي الفصول (4 ـ 8 ـ 16 ـ 20 ـ 24)، مع ملاحظة ان الكاتب اعتمد لفصول روايته ارقاما متسلسلة عوضا عن العناوين التي يطلقها بعض الروائيين عادة على كل فصل من فصول الرواية.
ولاختبار ما ذهبنا اليه نجد ان الفصل (4) يتحدث عن امرأة تركت زوجها وابنها وهربت مع (مهدلي) بائع (الجاز)، وهو ما يفاجىء الصبي الذي (توقع أشياء كثيرة.. لم يكن ذلك من ضمنها.. شعر ان والده يخفي امرا حين قال انها ذهبت الى اختها بفيلكة.. ولكنه لم يتوقع هذا.. مهدلي بائع الجاز.. كثيرا ما صادفه يخرج من البيت بغياب والده.. وتلك صفائح التنك غير القليلة في الزوايا والأسطح والممرات.. كانت تشتري الكثير من الجاز.. للتو أدرك ذلك).
وفي حين يتحدث الراوي في الفصل (16) عن الزبال الذي يدور مع حماره في الاحياء السكنية، طامعا في ان يستخدمه هذا او تلك لتنظيف البيت من القاذورات والفضلات وتخليصهم من الروائح الكريهة مقابل ما يقيم أوده، نجده في الفصل (20) يصور حال رجل من عديمي الحسب والنسب يعيش الأمرّين بين بدو يحفظون الانساب بفروعها وفخوذها ويرددونها وكأنها تعاويذ ورقى منزلة في كتب مقدسة، وينظرون نظرة وضيعة لكل من لا حسب ونسب له.
الآن، لو حاولنا وصل الفصول سابقة الذكر بالفصول الاخرى للرواية، فأي الوشائج ستسعفنا وسط انقطاع اي صلة لها بمحوري «زهرة ـ اسماعيل» و«حرب الدويش»؟، ان قلنا انها تلقي مزيدا من الضوء على طبيعة البيئة وقساوة الحياة وضنك العيش في تلك الفترة الزمنية، سيجيبنا آخر بان هذه الامور قد وصلته من خلال الفصول الاخرى، وما من حاجة لتكرارها.
ويتبقى لي تساؤل في ختام هذه الدراسة الموجزة وهو: كيف لمجنون ان يتحدث بذلك المنطق وتلك الفصاحة التي تحدث بها المجنون «مبايعي» حيث قال: «يا عزيزي.. ان الصعوبات التي تواجهنا في الحياة اشبه بالبواسير التي ستظل جاثمة في مكانها الى الابد.. ان لم يكوها احد بسيخ محمي». ))
محمـد المطيـري
الكاتب الكويتي / عبدالعزيز محمد عبدالله ... صاحب كتيب معركة الجهراء المشبوه .. والذي سبق لي أنتقاد ما جاء به من أخطاء تاريخية .. ومن العبث الواضح بنصوص المصادر ... وقد أوضحت بالماضي الأسباب الذي دفعته هو ومن هم على شاكلته لطرحه مثل هذه الأحداث التاريخية ...
عموماً ... قام مؤخراً بطرح كتيب آخر وهو ( العافور ) ... تتحدث عن قصة فتاة عراقية !!
حقيقة .. قصة تحمل كل أنواع السذاجة
لن أدخل بتفاصيلها .. فقد قام الناقد / عبدالكريم المقداد .. بنشر نقده وتعليقه على الكاتب و( العافور ) ... بجريدة الوطن الكويتية
وهذه مقتطفات مما جاء بالتعليق :
(( كتب عبدالكريم المقداد:
صحراء مترامية الاطراف، وبحر يتماوج على مد البصر، وما بينهما فرجان تتفصد فقراً وعرقاً، يذروها حر السموم والبوارح المحملة بالرمال والأتربة، أما ساكنوها فعلى ظهور الجمال في عمق الصحراء، أو على ظهور المراكب في عرض البحر، أو.. أمام بقبقة أركيلة القدو ودخانها، المتماوج نحو السماء كالأفاعي.
أجواء ضاربة في أعماق الماضي يستحضرها الروائي الكويتي عبدالعزيز محمد عبدالله في روايته الثانية (العافور) الصادرة عن دار قرطاس للنشر، وهي الدار التي نشرت روايته الأولى (كنز وغيوم وسماء) عام .2003
في (العافور) يعود الكاتب الى كويت ما قبل (السور) حيث تداخل القبائل وتنازعها المنتشرة في الجزيرة العربية، في زمن لم يكن فيه على تلك الارض دول مستقلة بذاتها كما المفهوم الحالي للدول حيث لم يكن هناك شيء اسمه دولة الكويت او دولة المملكة العربية السعودية او دولة العراق، بل قبائل استوطنت هذه او تلك المنطقة من الصحراء، ينخرها التعصب القبلي إلى حد العظم، وليس لمعدومي الحسب والنسب مكان فيها كما تذهب الرواية:
(ماذا يفعل.. هل يكذب.. هل يدعي مفتخراً بأنه عنزي لبوسه قز وطعنه خز.. أم يدعي بأنه ظفيري شديده بعيد متسربل الحديد. أم عجمي البيوت الكبار نزّال القرار.. أم شمري عظام الصحون وشاع الطعون.. أم مريّ ذبّاح الجوازي بعيد المغازي.. أم عتيبيّ العسيف أخّاذ الحفيف.. أم مطيريّ الذود المُفلّى والسبيب المُدلّى.. أم قحطانيّ عالي النجوع عظيم الجموع.. أم سبيعي من مروي السيوف مكرمي الضيوف.. أم دوسري ذو رمح جريد ورزق بعيد.. هل يكذب ليحظى بالاحترام وفنجانين آخرين من القهوة وبعض القدوع».
عبر تلك الآفاق يلاحق الكاتب محورين حكائيين رئيسيين، تخللهما عدد من المحاورالفرعية التي لم يكن لها من دور إلا القاء مزيد من الضوء على طبيعة الفترة الزمنية التي كان يحياها أناس تلك الحقبة، وعلى بيئتهم الصحراوية ومعتقداتهم.
المحور الأول هو حكاية الفتاة العراقية (زهرة) التي باعها اهلها للمجرم (عطوان العطار)، بعد ان أغراهم بالمال تارة، وأخافهم بالتهديد تارة أخرى، فوافقوا على تسليمها له كشاة تساق الى المقصب، لكن زهرة ترفض بشدة، وتصر على الزواج من حبيبها الذي يعمل اجيراً في دكان العطار (عطوان)، وهو ما دفع هذا الأخير إلى أخذ صبيه الأجير في رحلة صيد بحرية، ولم يره أحد بعدها، حيث ادعى عطوان ان الصبي تداعى بينما كان يجر شباك الصيد فهوى وسطها، والتفت عليه كأذرع الاخطبوط، وانزلقا معاً إلى الأعماق، وباءت كل محاولاته لإنقاذه بالفشل.
بعد مقتل حبيبها لم يبق أمام (زهرة) إلا الهروب من مصيرها المرعب، فتسللت مع حلول الظلام إلى شاطىء البحر، وانزوت في قعر أحد المراكب، الذي تحرك مع تباشير الصباح الأولى مبحراً دون أن يعلم صاحبه، التاجر الكويتي (اسماعيل)، أن لديه رفقة على مركبه.
هكذا، وبينما كان اسماعيل قابضاً على مقود مركبه، يلوك حبات التمر ويبصق نواتها في البحر، خرجت إليه (زهرة)، راجية متضرعة ان يساعدها، فظن في البداية أنها جنية الأعماق التي تخطف البحارة، لكنها سرعان ما بددت مخاوفه إذ حكت له قصتها واستحلفته أن يساعدها، بيد أنه يستعظم مسؤولية تهريبها واخفائها عن أهلها ويقرر ان يسلمها الى الشرطة (الفرظة) فور وصولها الكويت، إلا أنه وأمام دموع زهرة وخشيتها من أن تعيدها الشرطة إلى أهلها، وإلى عطوان العطار بالتالي، يقرر أن يصحبها معه إلى بيته حيث تعيش أمه وابنته.
إلام سيؤول مصير زهرة؟. هذا ما سنتلقفه كنتف حكائية من خلال فصول غير متعاقبة حكائية، تم تسخير أغلبها لحمل المحور الحكائي الثاني، الذي لا يرتبط مع الأول إلا بشخصية إسماعيل، حيث تتعدد فصول المحور الثاني لرصد حيثيات غزو (الدويش) للكويتيين، ثم وقوع الغزو وإصابة اسماعيل خلاله بإصابات غير مميتة، ثم علاجه إثرها في المستشفى الأمريكاني (المريكاني).
الأمر المثير للانتباه هو الأسباب التي بني عليها الغزو، لأنها مثلت اسقاطات جلية على واقعنا الحاضر، لا أدري إن كان الكاتب تقصّدها أو ساقها عفو الخاطر كواقعة تاريخية، ذلك أن الأسباب تمحورت حول تكفير (الدويشيين) للكويتيين لأنهم ينذرون ويبيتون عند ضريح الخضر، ويحتفلون بالمولد النبوي، ويشربون الدخان، ويستمعون لضرب الطنبورة والعود، وهو ما يحيلنا إلى الواقع الحالي المعيش، حيث راح المسلمون يكفرون بعضهم بعضاً بسبب تفسيرات وآراء يعتنقها قسم منهم، بينما لا يرى صوابها القسم الآخر، وهو ما انتهى الى مجازر من الدماء نتابعها بين آونة وأخرى.
أما الخطير في الأمر فهو أن الكاتب يقدم روايته مفترضا ان كل من سيقرأها لديه خلفية تاريخية عن موضوعها، لكن ماذا لو وقعت بين يدي قارىء لا يعرف «الدويش» ولا «ابن جلوي» او «ضيدان» او «راكان بن حثلين» او «الشيخ خزعل بن مرداو»؟ لا شك انه سيقع في جب لا قرار له من الغموض، الذي سيطيح بنص الرواية لارتكازه على اساسات موجودة في ذهن الكاتب فقط، بينما القارىء لا يعلم عنها شيئا، حيث عجزت الرواية عن ان تمده بما يؤهله لمواصلته الانسياق مع خطها الحكائي.
هنا، سيلاحق القارىء محور «زهرة ـ اسماعيل» وينصرف عن محور الغزو، ويعده مجرد اسقاطات تجاوزت الحد في سبيل اظهار ان «اسماعيل» شارك في الحرب، وهو ما كان بإمكان الكاتب ايصاله بفصل واحد لا أكثر من الفصول الكثيرة التي تناولت هذا المحور، اي الاستغناء عما يقارب نصف الرواية!
وما يضاعف من الالتباس ويحاصر الرواية ضمن حدود دولة الكويت، او دول الخليج العربية على أبعد تقدير اعتماد الكاتب الكثير من المفردات العامية وحشرها في سياق سرد الراوي على انها مفردات فصيحة، وهو ما يشتت الذهن اكثر ويوقع القارىء في حيرة من أمره، وللتمثيل نسوق بعض الجمل الواردة في النص واضعين المفردات المعنية بين قوسين:
ـ فلنباغت «مطقاقات» الأبواب النحاسية.
ـ عزفت عليه الشمس «أبيودتها» الدافئة.
ـ تتزاحم أكوام «الجاثح» عند فجوتي «مرازيم» صدر المركب.
ـ الكثبان «السنكباسية» المائلة للزرقة.
ـ رفع «استكانة» الشاي.. رفع «بيالة» الشاي.
ـ تأمل الشمس التي ألقت «باورتها» الذهبية في بحر من الخزف.
ـ يفترشان «يالا» واسعا.
ـ أفق أزرق تبعثره «أبلام» و«جلابيت».
ورغم ان الكاتب استطاع ان يلعب على وتري المحورين الحكائيين «زهرة ـ اسماعيل» و«الحرب» ببراعة فنية بادية، من خلال فصول غير متعاقبة حكائيا كان يدس في كل منها نتفا حكائية تنتمي لهذا المحور او ذاك، محافظا على قدر من التشويق يحث به خطى القارىء لمتابعة الرواية، الا ان القارىء كان يفاجأ في بعض الاحيان بمطبات مباغتة يقع فيها دون سابق انذار.
وما عنيته بالمطبات هي تلك الفصول التي دخلت نسيج الرواية، دون ان يكون لها ادنى علاقة بأي من المحورين الحكائيين، اللهم الا الاطناب في وصف البيئة وطبيعة الحياة والعلاقات التي كانت سائدة بين اقوام تلك الفترة، وهو ما لم تقصر في الكشف عنه الفصول الاخرى.
الفصول التي أعنيها، والتي جاءت مستقلة بذاتها حكائيا عن الهم الحكائي العام للرواية هي الفصول (4 ـ 8 ـ 16 ـ 20 ـ 24)، مع ملاحظة ان الكاتب اعتمد لفصول روايته ارقاما متسلسلة عوضا عن العناوين التي يطلقها بعض الروائيين عادة على كل فصل من فصول الرواية.
ولاختبار ما ذهبنا اليه نجد ان الفصل (4) يتحدث عن امرأة تركت زوجها وابنها وهربت مع (مهدلي) بائع (الجاز)، وهو ما يفاجىء الصبي الذي (توقع أشياء كثيرة.. لم يكن ذلك من ضمنها.. شعر ان والده يخفي امرا حين قال انها ذهبت الى اختها بفيلكة.. ولكنه لم يتوقع هذا.. مهدلي بائع الجاز.. كثيرا ما صادفه يخرج من البيت بغياب والده.. وتلك صفائح التنك غير القليلة في الزوايا والأسطح والممرات.. كانت تشتري الكثير من الجاز.. للتو أدرك ذلك).
وفي حين يتحدث الراوي في الفصل (16) عن الزبال الذي يدور مع حماره في الاحياء السكنية، طامعا في ان يستخدمه هذا او تلك لتنظيف البيت من القاذورات والفضلات وتخليصهم من الروائح الكريهة مقابل ما يقيم أوده، نجده في الفصل (20) يصور حال رجل من عديمي الحسب والنسب يعيش الأمرّين بين بدو يحفظون الانساب بفروعها وفخوذها ويرددونها وكأنها تعاويذ ورقى منزلة في كتب مقدسة، وينظرون نظرة وضيعة لكل من لا حسب ونسب له.
الآن، لو حاولنا وصل الفصول سابقة الذكر بالفصول الاخرى للرواية، فأي الوشائج ستسعفنا وسط انقطاع اي صلة لها بمحوري «زهرة ـ اسماعيل» و«حرب الدويش»؟، ان قلنا انها تلقي مزيدا من الضوء على طبيعة البيئة وقساوة الحياة وضنك العيش في تلك الفترة الزمنية، سيجيبنا آخر بان هذه الامور قد وصلته من خلال الفصول الاخرى، وما من حاجة لتكرارها.
ويتبقى لي تساؤل في ختام هذه الدراسة الموجزة وهو: كيف لمجنون ان يتحدث بذلك المنطق وتلك الفصاحة التي تحدث بها المجنون «مبايعي» حيث قال: «يا عزيزي.. ان الصعوبات التي تواجهنا في الحياة اشبه بالبواسير التي ستظل جاثمة في مكانها الى الابد.. ان لم يكوها احد بسيخ محمي». ))
محمـد المطيـري