المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معركة ملاذكرد


أبن ســنيّن
19-Nov-2005, 08:30 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

معـــركة مــلاذكــرد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

في عام 426 هـ أقبل ملك الروم أرمانوس في جحافل أمثال الجبال من الروم والفرنج والغرب والروس والبجناك وغيرهم، وعَدد عظيم وعُدد، ومعه ثلاثمائة وخمسون من البطارقة، مع كل بطريق مائتا فارس، ومعه من الفرنج خمسة وثلاثون ألفا ومن الغزاة الذين يسكنون القسطنطينية خمسة عشر ألفا، ومعه مائة ألف نقاب وحفار، ومعه أربعمائة عجلة تحمل النعال والمسامير، وألف عجلة تحمل السلاح والروج والغرادات والمنجنيق، ومن عزمه قبحه الله أن يبيد الإسلام وأهله، وقد أقطع بطارقته البلاد حتى بغداد،ثم استوثقت ممالك العراق وخرسان لهم، مالوا على الشام وأهله ميلة واحدة، فاستعادوا من أيدي المسلمين، والقدر يقول ( إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) فوصل إلى ملاذكرد، فبلغ السلطان ألب أرسلان الخبر، وهو بمدينة خوى من أذربيجان، قد عاد من حلب، وسمع ما فيه ملك الروم من كثرة الجموع، فلم يتمكن من جمع العساكر لبعدها وقرب العدو، فسار فيمن عنده من العساكر، وم خمسة عشر ألف فارس، وجد في السير وقال لهم : إنني أقاتل محتسباً صابراً ! فإن سلمت فنعمة من الله تعالى، وإن كانت الشهادة فإن ابني ملكشاه ولي عهدي.
وسار، فلما قارب العدو جعل له مقدمة، فصادفت مقدم الروسية في نحو عشرة آلاف من الروم، فاقتتلوا، فانهزمت الروسية، وأسر مقدمهم وحمل إلى السلطان، فلما تقارب العسكران خاف السلطان من كثرة جند ملك الروم، فأرسل إليه يطلب منه المهادنة، فقال ملك الروم : لا هدنة إلا بالري .
فانزعج السلطان ملاذكرد فقال إمامه وفقيهه أبو نصر محمد ابن عبدالملك البخاري الحنفي رحمهما الله تعالى : إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال، في الساعة التي تكون فيها الخطباء عل المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة . فلما كان تلك الساعة، صلى بهم، وبكى السلطان فبكى الناس معه، ودعا ودعوا معه، وقال لهم : من أراد الانصراف فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر وينهى.
وألقى القوس والنشاب، وأخذ السيف والدبوس، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض وتحنط، وقال : إن قتلت فهذا كفني، وزحف إلى الروم وزحفوا إليه، فلما فاربهم وتواجه الفتيان، نزل السلطان عن فرسه، وسجد لله – عز وجل - ، وعفر وجهه بالتراب ودعا الله واستنصره، وأكثر الدعاء وبكى، وبكى الناس معه، ثم ركب، وخمل وخملت العساكر معه، فحصل المسلمون في وسطهم، حجز الغبار بينهم، فقتل المسلمون فيهم كيف شاءوا، وأنزل الله نصره على المسلمين، ومنحهم أكتاف أعدائهم، فانهزم الروم، وقتل منهم عدد لا يحصى، حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى، وأسر ملك الروم أرمانوس، فلما أوقف بين يدي الملك ألب أرسلان، ضربه بيده ثلاث مقارع وقال له : ألم أرسل إليك في الهدنة فأبَيْت.
فقال أرمانوس : دعني من التوبيخ وافعل ما تريد.
فقال السلطان : لو كنت أنا الأسير بيم يديك ما كنت تفعل بي؟
قال أرمانوس : كلَّ قبيح.
قال السلطان : فما تظن أنني أفعل بك.
قال أرمانوس : إما أن تقتلني، وإما أن تشهرِّني في بلاد الإسلام، والأخرى بعيدة وهي العفو والفداء.
قال السلطان : ما عزمت على غير العفو والفداء.
ففداه بألف ألف دينار، وأن يرسل إليه عساكر الروم أيَّ وقت طلبها، وأن يطلق كل أسير مسلم في بلاد الروم، واستقر الأمر على ذلك، وأنزله في خسمة، وأرسل إليه عشرة آلاف دينا يتجهز بها، وأطلق له جماعة من البطارقة، وهادنه السلطان خمسين سنة، وسيَّره إلى بلاده ومعه راية مكتوبة عليها (( لا إله إلا الله محمد رسول الله )).

ملاحظات:

1- أرمانوس أقوى شخصية في أوربا في ذلك الحين.

2- دام الإعداد لهذه الحملة ثمان سنوات.

3- أخرت هذه المعركة سقوط القدس ثلاثين سنة.

4- أثارت غضب أوربا وحقدها على الإسلام وأهله.

----------------------------------------------------------
توضيح

* ملاذكرد : شمالي بحيرة وأن بأرميني.

* ألب أرسلان : وعناه البطل الأسد، من أشهر سلاطين السلاجقة المسلمين، وهم قبائل تركية، كانت على الوثنية، واقتتلت أول الأمر مع المسلمين، ثم اعتنقت الإسلام، وأصبحت من أعظم حماته في القرنين الخامس والسادس الهجريين. اتجه السلاجقة إلى قتال الروم، وخاضوا ضدهم معارك مظفرة، فتحوا فيها معظم آسية الصغرى وجعلوها جزءاً من بلا المسلمين، كما شاركوا في صد حملات الصلبيين الأولى.

* ملكشاه : حكم بعد أبيه ألب أرسلان عشرين سنة كانت من المع الحقب.

* بالري : يقصد بلدة خرسان.


من كتاب زاد المتقين

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.