مشاهدة النسخة كاملة : حول الهَمْداني والعصبيَّة: نَظَرٌ في رأي فايز البدراني
ابن شمسي
06-May-2009, 06:15 PM
في كتابه (الهَمْداني ورأيه في نسب حرب: بين مؤيديه ومعارضيه) الصادر سنة 1428 قال الأستاذ / فايز بن موسى البدراني:
إنَّ أبا محمَّدٍ الهَمْدانيَّ أثارَ حفيظةَ أعدائه [ بتعصبه للقحطانية في زمن كان التشيع قد ضرب أطنابه في اليمن، والتشيع لا يقوم إلا على تمجيد العدنانية فقط، بل لا يرى لغيرها فضلاً، وربما رأى أربابه أنّ في مدح القحطانية والثناء عليها تطاول (كذا!) على العدنانية التي ينتسب إليها نبي الهدى صلى الله عليه وسلم ] ص 14.
وهذه الكلمةُ بحاجةٍ إلى شيءٍ من النَّظَر:
1 ـ فالقول بأنَّ التشيَّعَ [لا يقوم إلا على تمجيد العدنانية فقط] عبارةٌ فيها لَبْسٌ كبيرٌ؛ فالتشيُّعُ مذهبٌ له أصولُه العَقَدِيَّةُ والفِقْهِيَّةُ، وليس من أصولِه تمجيدُ العدنانية فَضْلاً على أنْ يكونَ هذا التمجيدُ هو الأمرُ الوحيدُ الذي عليه يقومُ التشيَّعُ!
فعبارةُ الكاتبِ هنا فضفاضةٌ جداً، حتى ليكادُ يتَّسع جَيْبُها لعَشَراتٍ من الاحتمالاتِ، أترُكُها ليقيني بأنَّها ليسَتْ مُرادَ الكاتبِ، وإنما هي من تَبِعاتِ الأسلوبِ (الدِّعائيِّ) لا الأسلوب العلميّ، ( وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ).
2 ـ أمَّا صِلةُ التشيُّعِ بالعصبيَّةِ العدنانية والقحطانيةِ... فهذا الذي قالَهُ الكاتبُ هنا ـ بالوَصْلِ بين التشيُّعِ وتفضيلِ العدنانية ـ خطأٌ ظاهرٌ؛ فأشْهَرُ شعراءِ القحطانية في هذه العصبيَّةِ وأبعدُهم في مجالِها مدى هو: دِعْبِلُ الخُزَاعِيُّ، وهو شيعِيٌّ جَلْدٌ لا يَخْفى أمرُه. فعلى هذا... لا صلةَ بين التشيُّعِ وهذه العصبيَّةِ.
وهذه العصبيَّةُ لم تَظْهر مع التشيُّعِ، ولم يَنْجم قرنُها على عَهْدِ الهَمْداني، فلها آثارٌ في الجاهليَّةِ، وفي شعراءِ الأعرابِ البعيدين عن المذاهبِ المتنازعةِ والسياسةِ الملتويةِ، وأدنى الشَّواهدِ على هذا: مفاخراتُ ناهضِ بنِ ثُومَةَ الكِلابيِّ ونافعِ بنِ أصغرَ المَذْحِجيِّ، وهما من شعراءِ الباديةِ، عاشا قبل الهَمْداني بقَرْنٍ أو أقلَّ قليلاً، قبل أنْ يَظْهر تشيُّعٌ في اليمنِ.
3 ـ وطَرَحَ الكاتبُ اللائمةَ على شعراءِ العدنانية في تأريجِ هذه العصبيَّةِ لأنَّهم ـ في رأيه ـ يَرَوْنَ الثَّناءَ على القحطانية تطاولاً على العدنانية. وهو رأيٌ غيرُ مُنْصِفٍ ـ أولاً ـ وغيرُ مُسَلَّمٍ ـ أيضاً ـ، وبمِثْلِ هذه الكلمةِ اعترض مُعْترِضٌ على الجاحظِ، فرَوَى لنا الجاحظُ كلامَه فقال: [وعِبْتني بكتاب القحطانية وكتاب العدنانية في الردِّ على القحطانية، وزعمْتَ أنني تجاوزْتُ فيه حدَّ الحَمِيَّةِ إلى حدِّ العَصَبيَّةِ، وأني لم أصل إلى تفضيلِ العدنانية إلا بتنقُّصِ القحطانية] (الحيوان 1/ 4 ـ 5). فكلُّ طَرَفٍ يَرَى أنَّ خَصْمَه أَفْرَطَ في الحَمِيَّةِ فوَقَعَ في العصبيَّةِ.
والله أعلم
ابن شمسي
09-May-2009, 10:58 PM
من بحثٍ لـ: مقبل التّام عامر الأحمديّ
ترجمة أبي محمد الحسن بن أحمد الهَمْدانيّ ( ت 334 ) [1]
أ ـ ترجمته:
هو أبو محمّد الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن داود بن سليمان الهَمْدانيّ، المعروف بلسان اليمن، وبالنَّسّابة، وبابن الحائك، وبابن الدُّمَيْنة . شاعرٌ يماني، عبّاسيّ مُفْلِقٌ فَحْل، محسِنٌ في تصريف القوافي، قابضٌ بنَواصِيها ، وأديبٌ فَطِنٌ بتوليد المعاني، مولعٌ بابتكارها، ولُغَوِيٌّ مُتَبَحِّرٌ في لسانه، ونَحْوِيٌّ حَذِقٌ بأَنْحاء العربيّة، ونَسّابةٌ لم يبلغْ شَأْوَه غيرُهُ، عليه كان المعوَّل في أنساب الحِمْيَرِيِّين، وفيلسوفٌ ممنوحٌ علمَ الفلسفة، مُهَيّأٌ طَبْعُهُ للعَناية به، وجُغرافيٌّ مُنَقِّبٌ بَحّاثة، وأَثَرِيٌّ فَـكَّ طَلاسِم الخَطّ المُسْند، وأَنْطَق حروفه، وأحيا لسان حمير ـ عصرَه ـ حياةً طيّبةً، ومُنَجِّم بارعٌ، « لو قال قائلٌ: إِنّه لم تُخرجِ اليمن مثلَه لم يزلَّ؛ لأَنّ المُنَجِّم من أهلها لا حظَّ له في الطِّبّ، والطّبيبَ لا يَدَ له في الفقه، والفقيهَ لا يَدَ له في علم العربيّة، وأيّامِ العرب وأنسابها وأشعارها، وهو قد جمع هذه الأنواعَ كلَّها، وزاد عليها»(2).
لُقِّب بابن الحائك لحَوْكِه الشِّعر، إِذْ كان سليلَ أسرة توارثتْ حَوْكَ القوافي وتَثْقِيْفَها، ولجدّه سليمان بن عمرو المعروف بذي الدِّمْنَة الشّاعر، أبياتٌ في الحكمة مُسْتَجادةٌ مُسْتَحْسَنة، تَغصُّ بالمعاني الشّريفة، منها (3):
إِذا المَرْءُ لم يَسْتُرْ عنِ الذَّمِّ عِرْضَهُ = بِبُلْغَةِ ضَيْفٍ أو بِحاجَةِ قاصِدِ
فَما المالُ إِلاّ مُظْهِرٌ لِعُيُوبِهِ = وداعٍ إِلِيْهِ مِنْ عَدُوٍّ وحاسِدِ
وما المَرْءُ مَحْمُودًا على ذِي قَرابَةٍ = كَفاهُ مُهِمًّا دونَ نَفْعِ الأَباعِدِ
ومَنْ لا يُواتِيْهِ على الجُوْدِ وَجْدُهُ = فإِنَّ جَمِيْلَ القَوْلِ إِحْدَى المَحامِدِ
ب ـ تآليفه :
ـ الإكليل: وهو أَنْبَهُ تآليفه وأظهرها، وأكثرها فُشُوًّا في الآفاق، يقع في عشرة أجزاء:
الأوّل : في المبتدأ وأصول أنساب العرب والعجم، ونسب ولد حِمْير . والثّاني: في نسب ولد الهَمَيْسَع بن حِمْير . والثّالث: في فضائل قحطان . والرّابع: في السّيرة القديمة، من عهد يَعْرُب بن قحطان إلى عهد أبي كَرِب أسعد الكامل . والخامس: في السّيرة الوسطى، من عهد أبي كرب إلى عهد ذي نُواس . والسّادس: في السّيرة الأخيرة، من عهد ذي نُواس إلى عهد الإسلام . والسّابع: في التّنبيه على الأخبار الباطلة والحكايات المستحيلة . والثّامن: في مَحافِد اليمن ومَساندها ودَفائنها وقصورها، ومراثي حِمْير والقبوريّات . والتّاسع: في أمثال حِمْير وحِكَمِها باللّسان الحِمْيريّ . والعاشر: في معارف هَمْدان وأنسابها وعيون أخبارها .
انتهى إلينا منها أربعة أجزاء: الأوّلان، نُشرا نشراتٍ عدّة، شُحِنَتْ بالتّصحيف حتّى مُشاشها، ونَخَرَ داء التّحريف جسمها، فلا يُرْكَن إلى واحدةٍ منها، والثّامن، أصابه ما أصاب أخويه الأوّلين من المَسْخ والأَذى إلاّ قليلا، أمّا العاشر فقد نهضَ له العلاّمة محبّ الدّين الخطيب، فقرأه وصنع فهارسه، وسَدَّ ثُلَمَه، وأماط عن أصله كثيرًا من أسقامه، حتّى خرج، وهو من الحُسْن، البدر في تمامه، غير أنّ هذا الجزء انتكس، وانفرط عِقده ، وهوى على رأسه، بعد أن نشره بعضُهم نشرةً أخرى مَطْموسة، كُتب لها من الانتشار ـ لسوء الطّالع ـ ما حَجَب قُرْصَ محبّ الدّين عن النّار ، وعِلْمَه عن الأخيار .
ـ صفة جزيرة العرب: يعدّ هذا الأَثر الجليل من أقدم آثار السّلف في البلدان والمواضع الّتي انتهت إلينا وأَنْفَسِها، وعليه كان مُعَوّل البكريّ وياقوت في معجميهما (معجم ما اسْتَعْجَم ومعجم البلدان)، كما يُعدّ مُصَنِّفه رائدًا في البحث والتّنقيب، إذ رَصَد ما رصد عن رؤية ومشاهدة وعظيم معرفة، ولاسيّما ما يخصّ جنوب الجزيرة . نَشَر هذا الأثر العزيز، في جزأين (أوّلهما دراسة، وثانيها تحقيق) ديفيد مولر سنة 1884، نشرةً مقبولة من مثله في مثل أوانه، ثمّ تعاورته الأيدي بعده، وتبارت أناملها في إِفساده، حتّى عَزّ صَوابه، وصار فيه التَّخْليط أكثر من رمل يَبْرين ونهر فلسطين .
ـ سرائر الحكمة: انتهى إلينا منه المقالة العاشرة، وقد نُشِر نشرةً يُرْغب عن مثلها .
ـ الجَوهرتان العَتِيقتان المائعتان البيضاء والصّفراء: يُعَدّ هذا العِلْق النّادر من أوفى ما انتهى إلينا في علم التّعدين، حقّقه علاّمة الجزيرة الشيخ حَمَد الجاسر ـ رَوّح الله روحه، وطيّب ثراه ـ وأخرجه إلى النّاس في حُلَّةٍ قَشِيبة، هي دُرّة تاجها، وصاحبة مِعْراجها، وكان قد نُشِر قبلُ في زِيٍّ مُهَلْهَل، وحَشْوٍ مُبْتَلّ، فبدا للنّاظر رثَّ الهيئة، وللخابر قبيح المَخْبَر .
ـ شرح القصيدة الدّامغة: تنازع هذا الشرحَ ـ الّذي يَعِجُّ بالأخبار الطّريفة، والأشعار العزيزة النادرة، الّتي لا يُدرك كثيرٌ منها في غيره ـ الهَمْدانيُّ، ومحمّدٌ ابنُه، فذهب محمّد بن نَشوان الحِمْيريّ والقِفْطيّ إلى مُناصَرة ابنه، في حين يصرخُ العلم المبثوث في تضاعيف هذا الشّرح بنسبته إلى أبيه، يُؤَيِّد ذلك كثيرٌ من القَرائن والأحداث الّتي عُلِمت نسبتها إلى الهَمْدانيّ الأَب من آثاره الأخرى . نُشِر هذا الشّرح بعُجَرِه وبُجَره، نشرةً يتيمة، جنى صاحبها بها على ذَخِيرة من ذخائر الهَمْدانيّ ونفائسه .
وممّا لم ينتهِ إلينا من كُتُبه حتّى السّاعة: (الإِبِل، وأخبار الأوفياء، وأسماء الشهور والأيّام، والإكليل 3، 4، 5، 6، 7، 9، والأنساب، والأيّام، والحرث والحيلة، وديوان شعره، والزّيج، وسرائر الحكمة ما عدا المقالة العاشرة، والسّير والأخبار، والطّالع والمطارح، والقُوى في الطّب، والمسالك والممالك، ومفاخر اليمن، واليَعْسوب)، عَجَّل الله ظهورها .
شعــره :
كان الرّجل غزير الشِّعر شريفَه، غير أنّ العوادي عَدَتْ على شعره، فلم يَنْجُ منه إلاّ نَزْرُه، جاءنا مُفّرقًا شَذَر مَذَر في ثنايا ما بقي من كُتبه، ما خلا قصيدتَه الدّامغة، التي انتهت إلينا في ستّمئة بيت وبيتين، يُرْكَن إلى تمامها . وقد بلغت أشعار الرّجل من الشّهرة في عصره ما حمل ابنَ خالويه بعد وفاة الهَمْدانيّ على أن يرتحل في طلبها من العراق إلى اليمن، وفي ذلك يقول القِفْطِيّ : « ولمّا دخل الحسين بن خالويه الهَمْدانيّ النَّحْويّ إلى اليمن، وأقام بها بِذَمار جمع ديوان شعره وعرّبه وأعربه . وهذا الدّيوان بهذا الشّرح والإعراب موجود عند علماء اليمن، وهم به بُخلاء. وشعره يشتمل في الأكثر على المقاصد الحَسَنة، والمعاني الجَزْلَة الألفاظ، والتّشبيهات المصيبة الأَغراض، والنّعوت اللاّصقة بالأعراض، والتّحريض المحرِّك للهِمَم المِراض، والأمثال المضروبة، والإشارات المَحْجوبة والتّصرّف في الفنون العجيبة» (4).
وقد كان الهَمْدانيّ بصيرًا بنَقْد الشّعر أيّ بصرٍ، وناظرًا فيه أيّ نظر، يدلّ على ذلك ما جاء في شرحه البيت 560 من الدّامغة، حين ذكر الخليل بن أحمد الفراهيديّ، ووصف شعره بالضّعف، فقال: « صاحب العَرُوض الّذي عَلَّمَ به الصِّبْيان قَوْلَ الشِّعْر، ولكنّ شِعْرَه ضعيفٌ لا نَفَسَ له؛ لأَنّه كلامٌ مُرَتّبٌ، وليس الشِّعْرُ إِلاّ ما دَسَع بَيْتَهَ طَبْعٌ، فخَرَجَ البيتُ على كَمالِه مثلَ السَّهْم المارِق مِنَ الرَّمْيَة » .
===========
(1) نصّ على ذلك صاعد بن الحسن الأندلسيّ، قاضي طُلَيطلة، في كتابه (طبقات الأُمم)، فقال :« وجدت بخطّ أمير الأندلس الحَكَم بن المستنصر بالله بن النّاصر عبد الرّحمن الأُمَويّ أنّ أبا محمّد الهَمْدانيّ توفي بسِجن صنعاء في سنة أربع وثلاثين وثلثمئة» . غير أن ثمّة قرائن تدل على أن وفاته كانت في غير سجن صنعاء، وآياتٌ أخرى تدلّ على تأخر وفاته إلى ما بعد 344 هـ، وقد بسط القول في ذلك الشّيخ حَمَد الجاسر في مقدّمته القَشِيبة لصفة جزيرة العرب: 6 ـ 36، فأغنى عن ذكره ههنا، غير أنّك إن شئت الانتفاع، والنّظر في أفانين من العلم عظيمة الجنى، وآنَسْتَ رُشْدًا في نُصْح ناصحٍ، فعليك بقراءتها .
(2) إِنْباه الرُّواة على أَنْباه النُّحاة: 1/279 .
(3) الإكليل: 10/166-167، وهي طبعة مسلوخة عن التي حققها محب الدين الخطيب، لم يذكر عليها اسمه.
(4) إِنْباه الرُّواة على أَنْباه النُّحاة: 1/279 .
vBulletin® v3.8.5, Copyright ©2000-2012, TranZ by world 4arab
منتديات