"قال تعالى " ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير"

           الأولىضوابط الكتابة في منتديات مطير التاريخي
    « غير مسجل » ( لوحة التحكم الخاصة بك ) خروج   
مشاهدة مشاركات جديدة | المساعدة | بحث | الأعضاء | التقويم | مساعدة

 

 

 
 

الإهداءات

سبحانك اللهم وبحمدك ،،، أشهد أن لا إله إلا أنت ،، أستغفرك وأتوب إليك

العودة   منتديات مطير التاريخية > :: المنتديــــات التــاريخيــــــة :: > منتــدى التــاريــخ العــــــــــام

منتــدى التــاريــخ العــــــــــام يعنى بالتاريخ العــام الأسلامي والتاريخ في الأحقــاب الماضيــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 28-Jul-2010, 04:39 PM
الصورة الرمزية ابن شمسي
ابن شمسي ابن شمسي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 761
افتراضي ما هي الأمة؟ ـ أرنست رينان

ما هي الأمة؟

مقالة للفيلسوف الفرنسي أرنست رينان

تقديم وترجمة حسن شامي

مجلة نزوى ـ العدد الرابع والثلاثون

* * *


النص الذي ننقله من الفرنسية إلى العربية، والحامل عنوان ( ما هي الأمة? ), هو بالتأكيد أحد النصوص الأساسية في أدبيات الفكر القومي في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد جاء هذا النص في قالب محاضرة ألقاها المستشرق والمفكر الفرنسي المعروف أرنست رينان (1823- 1892) في جامعة السوربون في باريس في 11 آذار/ مارس من عام 1882.

قد يكون غنيا عن القول أنّ العودة إلى نص رينان تكتسب كامل قيمتها الراهنة والتاريخية؛ ذلك أن تصدع الكيانات ذات الطابع الفيدرالي والامبراطوري, كما هي الحال بعد انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفييتي, وفي يوغوسلافيا السابقة, كما كانت الحال لدى انهيار الإمبراطورية العثمانية في الحرب الأولى, والإمبراطورية النمساوية - المجرية, التصدع هذا دفع بمجموعات سكانية إلى الانكفاء على هوية أصلية يحسب لها القدرة على تسوير الأقوام اللائذين بها للعثور على أشكال من التضامن والتماسك الأولين. ومعلوم ربما أن التصدع المشار إليه ويقظة «القوميات» الضيقة التي تتوالد في إثره, يحصلان اليوم على إيقاع «عولمة» شديدة التجريد وكاسحة؛ إذ لا تعير كبير اهتمام بأثقال وأحجام وجاذبيات التاريخيات المحلية والخصوصية. ويمكننا القول في هذا السياق بأن الحروب التي شهدتها منطقة البلقان مثلا وضعت قيد المواجهة تكتلات سياسية ومجموعات سكانية لا تنتمي إلى زمن تاريخي واحد، فالدول الأطلسية ذات الكيانات القومية الناجزة ـ ولو بدرجات متفاوتة ـ واجهت كيانا فيدراليا يوغسلافيا تنزع أطرافه وفئاته (خصوصا الصرب) إلى بناء مثال الأمة على صورة العرق والاثنية والجنسية واللغة والديانة لمجموعة بشرية بعينها. وهذا ما يستثير في المقابل نزوعا لدى الأطراف الآخرين إلى التشبث بأشكال أولية من الولاء الاثني واللغوي والإقليمي. لذا تبدو نزاعات الأقوام في يوغوسلافيا ـ وفي غيرها من الكيانات المفصحة عن هشاشة تقل أو تزيد ـ كما لو أنها في حال نكوص وارتداد إلى بدايات الفكرة القومية في القرن التاسع عشر, فيما تشرع الدول الأطلسية منذ الآن في رسم معالم زمن مستقبلي لا يتوانى بدوره عن إيقاظ أشباح وأرواح قومية - تاريخية يحسب لها دعاة المستقبلية المعولمة المتفائلة حسابا قليلا كما لو أنها دخلت في سبات عميق لا يقظة منه. وسط هذا التوزع بين أزمنة وهويات سياسية وثقافية متباينة, يصبح من الشرعي طرح السؤال مجددا عن مقومات الأمة وماهيتها. من هنا عودتنا إلى نص رينان لا بوصفه حامل إجابة شافية وكافية, بل بوصفه محاولة من شأنها تسليط الضوء على جوانب بارزة من التاريخ الحديث لفكرة الأمة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن صاحب النص ـ أي أرنست رينان ـ أنشأ طريقة وأسلوبا جذابين في تناول مسائل التاريخ والعرق واللغة والديانة, ولم يكن هذا التناول خلوا من اللبس, وأحيانا من التناقض الصريح. فقد تجاذبته نزعات فكرية وثقافية متباينة ومتناقضة , وهذا التجاذب يعود إلى سيرته العائلية وانتقاله من الكاثوليكية إلى العقلانية والعلموية ذات الطابع الدعاوي الساعي إلى إنزال العقل والعلم في منزلة الإيمان الديني الجديد للبشرية.

فقد ولد ارنست رينان في 28 شباط / فبراير عام 1823 في مدينة «تريغييه» الصغيرة الواقعة في منطقة البريتاني الفرنسية, توفي والده وهو في الخامسة من عمره. ويروي رينان في نص عن ذكريات طفولته وصباه أن أمه وأخته هنرييت التي تكبره باثنتي عشرة سنة والتي تابعت وعايشت عن قرب مسار حياته, تولتا تربيته, وانه ورث من عائلته نزعات متناقضة تتوزع بين الإيمان الكاثوليكي الريفي الطابع وبين العلمانية المتأثرة بأفكار فولتير وعصر الأنوار. وفي مدينة «تريغييه» ذات الطابع الكهنوتي والحافلة بالأديرة والمؤسسات الدينية تلقى دراسته، ودخل عام 1832 إلى المعهد الاكليركي في المدينة, ولئن ظهرت عليه أمارات التفوق والنجابة فقد قرر مدير المعهد إرساله عام 1838 إلى باريس لمتابعة دراسته الاكليركية, وكان لانتقاله هذا إلى العاصمة باريس أثر مصيري وحاسم جعله يعيش التبدل الطارئ في صورة أزمة نفسية وروحية. درس رينان ثلاث سنوات في باريس وكان يعتقد آنذاك بأنه منذور من ذي قبل كي يكون كاهنا كما يولد آخرون محاربين أو قضاة. إلا انه راح يكتشف في باريس أشياء كثيرة, من بينها الأدب المعاصر, فانكب على قراءة فيكتور هوغو (1802 - 1885) ولامارتيني (1790- 1869), ولم يكن هاذان الأديبان يحظيان باهتمام الكهنة. وكان ينقصه في تلك الفترة التعرف على العلم الوضعي. وعندما دخل عام 1843 مدرسة سان - سولبيس اتجه نحو العلوم التاريخية ودراسة الإيمان المسيحي باعتباره مركز الحقيقة ومدارها الرئيسي. خلال دراسته هذه للاهوت المسيحي والأناجيل, انتابت رينان أزمة شك وصراع داخلي طاولت الإيمان المسيحي نفسه, وأحس بأنه لم يعد قادرا على أن يكون كاهنا كاثوليكيا. وفي عام 1845 اتخذ رينان قراره الحاسم بترك الحياة الكهنوتية, وانتقل بدون ضجة إلى حياة مدنية, وكان يطلع أخته هنرييت فقط على حقيقة مشاعره وأفكاره.

في تلك الفترة كتب رينان كتابه عن (مستقبل العلم) ولم ينشره إلا لاحقا, هو بمثابة «مانيفست» فكري للدفاع عن العلم والعقل وتصنيف للأعراق والأقوام تبعا لدرجة اقترابها (واحتضانها) من الصورة المثالية والنموذجية للعقلانية الاغريقية. وأنشأ رينان نوعا من التقابل بين عقلية الشعوب السامية النازعة إلى البلاغة والقدرية والخرافات وإلى التصورات الساذجة عن الإيمان الديني وبين عقلية ومزايا الشعوب الآرية والهندوأوروبية النازعة إلى إعمال العقل وإلى الأساطير والتراجيديات. وهذا التقابل كان يتغذى من إعجاب رينان بالفكر الألماني, إلا أنه ـ أي التقابل ـ لم يستقر على عبارة واضحة, بل لابسه شيء من الالتباس والغموض.

وفي عام 1852 نشر رينان كتابه عن (ابن رشد والرشدية) الذي أعده كأطروحة لنيل الدكتوراة، ويعتبر هذا الكتاب مرجعا أساسيا حول الفيلسوف العربي وتاريخ انتشار مذهبه في أوروبا, وقد نقله إلى العربية عام 1957 عادل زعيتر. وفي عام 1860 ذهب رينان, ومعه أخته هنرييت, في مواجهة إلى الشرق وزار فلسطين وسوريا وأقام فترة في جبل لبنان, إلا أنه أصيب هو وأخته عام 1861 بحمى أفقدتهما الوعي, وعندما استفاق بعد 23 ساعة من الغيبوبة اكتشف أن شقيقته قد توفيت, ووافق على دفنها في بلدة عشيت في جبل لبنان, وقد روى وقائع رحلته هذه في كتاب (مهمة فينيقيا). في عام 1878 انتخب رينان عضوا في الأكاديمية الفرنسية، وفي عام 1883 أصبح مديرا للكوليج دو فرانس. وفي السنة ذاتها أصدر كتابه (ذكريات الطفولة والصبا) وألقى محاضرة في السوربون بعنوان (الاسلام والعلم) وردّ عليها جمال الدين الأفغاني (1839- 1897) الذي كان في باريس آنذاك, وردّ رينان بدوره على ردّ الأفغاني في الجريدة التي نشرت تباعا المحاضرة وردّ الأفغاني, وهي جرنال دو ديبا.

إلى ذلك نشر رينان العديد من الكتب الدائرة على تاريخ الأديان والأجناس واللغات, خصوصا تلك المتعلقة بالشعوب السامية وبأصول المسيحية, وأحدث كتابه عن (حياة يسوع) جدلا شهد المشرق العربي بعض رذاذه. وألقى رينان عددا كبيرا من الخطب والمحاضرات نشرها في كتاب مستقل أعيد طبعه عدة مرات. وفي تقديمه لكتاب (خطب ومحاضرات) والمؤرخ بيوم الأحد في 8 مايو من عام 1887, يحرص ارنست رينان على التشديد بأن «القطعة» التي يعلق عليها أهمية خاصة تفوق أهمية الأجزاء والقطع الأخرى والتي يسمح رينان لنفسه بأن يلفت انتباه القارئ إليها إنما هي محاضرته ( ما هي الأمة? )، ذلك [ أنني حرصت على أن أزن كل كلمة منها بعناية فائقة! إنها خلاصة معتقدي ومذهبي فيما يتعلق بالأشياء الإنسانية ] بحسب ما قال في تقديمه.

والراجح لدينا أن أرنست رينان سعى في محاضرته هذه إلى وضع الفكرة القومية في منظار إنسانوي منفتح, وتنبأ بأن أوروبا الغارقة في نزاعات وحروب قومية سوف تتوصل في المستقبل إلى نوع من الاتحاد الفيدرالي. إلا أن إنسانويته هذه ظلت مشدودة إلى نزعة مركزية - أوروبية, فيما كانت نظرته إلى العوالم الأخرى ـ خصوصا الإسلام والعالم العثماني ـ تتسم بالاستعلاء المعرفي والتاريخي وتبريرات صريحة للسياسات الامبريالية الأوروبية. فهو مثلا, في خطاب ألقاه في الأكاديمية الفرنسية عام 1885, تكريما لفرديناند دو ليسيبس صاحب مشروع شق قناة السويس, أي بعد ثلاث سنوات تقريبا على محاضرته «ما هي الأمة?», رأى رينان أن [ مصر ليست أمة, أنها مدار رهان, تكون تارة مكافأة لعملية سيطرة بحرية انتزعت بصورة شرعية, وتكون تارة أخرى عقابا على طموح لم يحسن تقدير قوته. وعندما يكون لبلد وأناس دور يطاول المصالح العامة للإنسانية, فانه سيضحي بهم من أجل ذلك. إن أرضا يعلق عليها العالم كله أهمية إلى هذا الحد لا يسعها أن تنتمي إلى ذاتها, إنها موقوفة على الإنسانية, والمبدأ القومي مقتول فيها. (...) ستكون مصر محكومة على الدوام من قبل مجموع الأمم المتحضرة ].
__________________
العِلْمُ ثلاثةُ أَشْبارٍ: أوَّلُهُ تَكَبُّرٌ، وثانيه تَوَاضعٌ، ومَنْ دَخَلَ في الشِّبْر الثالث عَلِمَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ.

ibnshamsi@hotmail.com
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 28-Jul-2010, 04:44 PM
الصورة الرمزية ابن شمسي
ابن شمسي ابن شمسي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 761
افتراضي

ما هي الأمة؟


آليت على نفسي أن أقوم وإياكم بتحليل فكرة تبدو في الظاهر واضحة, إلا أنها عرضة لأخطر حالات سوء الفهم. إن أشكال المجتمع الإنساني لهي في غاية التنوع. خذوا التجمعات البشرية الكبيرة على الطريقة المعهودة في الصين, ومصر, وبابل القديمة جدا, وخذوا القبيلة على الطريقة المعهودة لدى العبريين ولدى العرب، وخذوا الحاضرة على طريقة أثينا واسبارطة, وخذوا اتحادات البلاد العديدة على الطريقة المعروفة في الإمبراطورية الأخميدية والإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الكارلوفنجية, وخذوا الجماعات التي تعيش بدون وطن والتي تتماسك بفضل الرابطة الدينية كما هي الحال لدى الإسرائيليين والمجوس، وخذوا الأمم مثل فرنسا وانجلترا وغالبية الكيانات الأوروبية المستقلة والحديثة، وخذوا الاتحادات الفيدرالية على طريقة سويسرا وأمريكا، وخذوا أشكال القرابة كما أشكال العرق ـ أو اللغة بالأحرى ـ القائمة بين مختلف فروع الجرمانيين ومختلف فروع السلافيين. تلكم أنماط تجمع موجودة كلها, بيد أن الخلط بينها سينطوي لا محالة على مساوئ جدية للغاية. وقد شاع الاعتقاد, في زمن الثورة الفرنسية بأن المؤسسات التي قامت في مدن صغيرة ومستقلة مثل اسبارطة وروما يمكن تطبيقها في أممنا الكبيرة التي تعد بين ثلاثين وأربعين مليون نسمة. وفي أيامنا هذه يرتكب خطأ أكثر فداحة يجري الخلط بين العرق والأمة, كما تنسب إلى مجموعات اناسية (اتنوغرافية) ـ أو بالأحرى لغوية ـ صفة سيادة مشابهة للسيادة التي تتمتع بها الشعوب القائمة فعليا. فلنحاول جاهدين التوصل إلى شيء من الدقة في معالجة هذه المسائل الصعبة, إذ يمكن منذ بداية التعليل لأدنى تشوش في معنى الكلمات أن يحدث في النهاية أكثر الأخطاء شؤما. ما سنقوم به أمر دقيق للغاية، إنها تقريبا عملية تشريح; إذ أننا سنتناول الأحياء كما جرت العادة أن نتناول الأموات. ولذلك فإننا سنبذل أقصى ما يمكن من البرودة وعدم التحيز.

( 1 )


منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية أو بالأحرى منذ انشطار امبراطورية شارلمان تبدو لنا أوروبا الغربية منقسمة إلى أمم سعت بضع منها في أوقات معينة إلى ممارسة هيمنتها على الأمم الأخرى, إلا أنها لم تنجح أبدا في تحقيق ذلك لمد ة طويلة. ما لم يستطع فعل شارل - كوانت ولويس الرابع عشر ونابليون الأول, لن يقوى أحد في المستقبل على الأرجح على القيام به. إن بناء امبراطورية رومانية جديدة أو تجديد امبراطورية شارلمان أصبح أمرا مستحيلا؛ فانقسام أوروبا بات كبيرا للغاية بحيث أن أية محاولة سيطرة عالمية ستدفع سريعا الآخرين إلى تشكيل ائتلاف يدفع بالأمة الطموحة إلى الانكفاء داخل حدودها الطبيعية. لقد نشأ نوع من التوازن مؤهل للعيش طويلا. وستبقى فرنسا وانجلترا وألمانيا وروسيا خلال مئات السنين ـ وبالرغم من المغامرات التي قامت بها ـ ستبقى فرديات تاريخية, والأحجار الأساسية للعبة ضامة حيث الخانات تشهد بدون توقف تنوعا من ناحية الأهمية والكبر ولكنها لا تقبل أبدا خلطها مع بعضها البعض.

عندما نفهمها على هذا النحو تكون الأمم شيئا جديدا على التاريخ لم يعرفها الزمن القديم، إذ لم تكن مصر والصين وكلدة القديمة أمما بأي درجة كانت. لقد كانت بمثابة قطعان يقودها ابن للشمس وابن للسماء. لم يكن هناك مواطنون مصريون كما لا يوجد مواطنون صينيون. لقد شهد العهد الكلاسيكي القديم جمهوريات وممالك بلدية كونفيدراليات لجمهوريات محلية امبراطوريات، لكنه (العهد القديم) لم يعرف الأمة بالمعنى الذي نفهمه. كانت أثينا واسبارطة وصيدون وصور مراكز صغيرة تجلّت فيها نزعة وطنية مثيرة للإعجاب; لكنها تبقى مدنا قائمة فوق مساحة إقليمية ضيقة نسبيا. بلاد الغول واسبانيا وايطاليا كانت قبل أن تمتصها الإمبراطورية الرومانية تشكل مجموعات من الأقوام وكانت غالبا متضافرة بين بعضها البعض, غير أنها كانت بدون مؤسسات مركزية وبدون سلالات حاكمة. الإمبراطورية الآشورية, الإمبراطورية الفارسية, وامبراطورية الاسكندر, هي أيضا لم تكن أوطانا. فلم يكن هناك أبدا وطنيون آشوريون, وكانت الإمبراطورية الفارسية إقطاعية واسعة. كذلك لا نجد أمة واحدة تربط أصولها بمغامرة الاسكندر الهائلة, وإن كانت هذه المغامرة غنية النتائج فيما يتعلق بالتاريخ العام للحضارة.

الإمبراطورية الرومانية كانت بالفعل أقرب (من غيرها) إلى أن تكون وطنا. فمع وقف الحروب الذي عاد بمحاسن واسعة, سرعان ما أصبحت السيطرة الرومانية محببة إلى القلوب, بعد أن كانت قاسية جدا في البداية. لقد كانت تجمعا كبيرا رديفا للنظام والسلم والحضارة. وفي الأوقات الأخيرة من حياة الإمبراطورية, تولد لدى النفوس المهذبة, لدى الأساقفة المتنورين ولدى المتعلمين شعور حقيقي «بالسلم الروماني» الذي يتعارض مع الخواء المهدد الذي تحمله البربرية. بيد أن إمبراطورية تبلغ مساحتها اثنتي عشرة مرة مساحة فرنسا الحالية, لن يكون في وسعها تشكيل دولة في المعنى الحديث للكلمة. فقد كان الانقسام بين الشرق والغرب أمرا يستحيل تفاديه. والمحاولات التي جرت في القرن الثالث الميلادي لبناء إمبراطورية غولية (نسبة إلى بلاد الغول) لم تعرف النجاح. الغزو الجرماني هو الذي أدخل إلى العالم المبدأ الذي جرى استخدامه لاحقا كأساس لوجود الجنسيات.

ما الذي صنعته بالفعل الشعوب الجرمانية منذ اجتياحاتها الكبرى في القرن الخامس الميلادي وصولا إلى آخر غزواتها النورماندية في القرن العاشر? لقد أحدثت تغييرا طفيفا في عمق الأعراق; لكنها فرضت سلالات وارستقراطية عسكرية على أجزاء من إمبراطورية الغرب القديمة, وقد حملت هذه الأجزاء المعتبرة بهذا القدر أو ذاك اسم غزاتها. من هنا جاءت أسماء فرنسا وبورغنديا ولومبارديا والنورماندي لاحقا. إن السطوة السريعة التي حظيت بها إمبراطورية الافرنج أعادت خلال برهة معينة بناء وحدة الغرب; لكن هذه الإمبراطورية تكسرت نهائيا في حوالي منتصف القرن التاسع; وقد رسمت معاهدة فردان مقسمات ثابتة من حيث المبدأ, ومنذئذ بدأت فرنسا وألمانيا وانجلترا وايطاليا واسبانيا تسير, عبر دروب تعرضت غالبا للانعطاف وعرفت ألف مغامرة نحو وجودها القومي الممتلئ, كما نشاهد تفتحه اليوم.

وبالفعل, ما الذي يسم بسمات خاصة هذه الدول المختلفة؟ إنه انصهار السكان المؤلفين لها. لا نجد في البلدان التي عددناها آنفا, شيئا مماثلا لما تجدونه في تركيا حيث بقي التركي, السلافي, اليوناني, الأرميني, العربي, السوري, الكردي, متميزين اليوم عن بعضهم البعض كما في اليوم الأول للسيطرة. ثمة ظرفان أساسيان هما في الوصول إلى هذه النتيجة. وأولهما واقعة أن الشعوب الجرمانية تبنت المسيحية بمجرد حصول احتكاك متواصل بعض الشيء مع الشعوب الإغريقية واللاتينية. وعندما يكون الغالب والمغلوب من نفس الديانة, أو بالأحرى عندما يتبنى الغالب ديانة المغلوب ـ كما هي الحال في المنظمة التركية ـ فإن التمييز المطلق بين البشر على أساس الديانة, لا يمكن له أن يحصل. الظرف الثاني هو نسيان الغزاة للغتهم بالذات. إن أحفاد كلوفيس وآلاريك وغوندبو وألبوان ورولون, كانوا من ذي قبل يتكلمون الرومانية.

هذه الواقعة كانت في حد ذاتها نتيجة لخاصية أخرى وهامة وهي أن الافرنج والبورغنديين والغوثيين واللومبارديين والنورمانديين, كان معهم القليل جدا من النساء المنحدرات من ذات العرق. وخلال عدة أجيال, لم يتزوج القادة إلا من نساء جرمانيات, غير أن المحظيات كن لاتينيات, ومربيات الأطفال كن لاتينيات; كانت القبيلة بأسرها تتزوج من اللاتينيات; أدى هذا الأمر إلى جعل النسب الافرنجي والنسب الغوثي منذ استقرار الافرنج والغوثيين في الأراضي الرومانية لا يعرف إلا مصائر قصيرة الأمد. لم يكن الأمر كذلك في انجلترا, ذلك أن الاجتياح الانجلو - سكسوني جلب معه النساء, وهذا أمر لا شك فيه; وقد فر السكان البريتون, ناهيك عن أن اللغة اللاتينية ما عادت ـ بل لم تكن أبدا في السابق ـ مسيطرة في منطقة البريتاني. إذ لو كان الناس يتكلمون عموما اللغة الغولية في بلاد الغول في القرن الخامس لما تخلى كلوفيس وجماعته عن اللغة الجرمانية من أجل التكلم بلغة الغول.

من هنا تتأتى هذه النتيجة الرئيسية وهي أنه بالرغم من العنف الشديد الذي اتسمت به عوائد الغزاة الجرمانيين, فان القالب الذي فرضه هؤلاء أصبح, على مر القرون قالب الأمة بالذات. كلمة فرنسا أصبحت بصورة مشروعة جدا الاسم الذي يطلق على بلد لم تدخله سوى أقلية غير منظورة من الافرنج. ففي القرن العاشر الميلادي, يظهر واضحا في الأغنيات الأولى (للحركة) ـ وهي مرآة كاملة لروح العصر آنذاك ـ يظهر أن جميع قاطني فرنسا هم فرنسيون. وفكرة وجود اختلاف في الأعراق بين سكان فرنسا ـ وهي الفكرة البديهية جدا لدى غريغوار دي تور ـ لا تظهر من تلقاء ذاتها وبأية درجة من الدرجات لدى الكتاب والشعراء الفرنسيين الذين جاءوا في أعقاب «هونج كابيه». الاختلاف بين النبيل والوضيع هو ما شهد أقصى ما يمكن من التشديد; بيد أن الاختلاف بين الواحد والآخر لم يكن في شيء اختلافا اتنيا; انه اختلاف في الشجاعة وفي العادة وفي التربية المتوارثة، ولم تخطر على بال أحد الفكرة القائلة بأن أصل كل ذلك هو الفتح. إن النظمة الخاطئة القائلة بأن أصل النبالة يعود إلى امتياز منحه الملك مقابل الخدمات الكبيرة المسداة إلى الأمة, إلى حد أن كل نبيل إنما هو إنسان خلعت عليه صفة النبالة, هذه النظمة تأسست وترسخت كما لو أنها عقيدة منذ القرن الثالث عشر. وقد حصل الشيء ذاته إثر كافة الفتوحات النورماندية تقريبا. فبعد جيل أو جيلين لم يعد الغزاة النورمانديون يتميزون عن باقي السكان; غير أن هذا لم يقلل من شأن تأثيرهم العميق, إذ أنهم أعطوا البلد المحتل طبقة نبلاء وعوائد عسكرية ونزعة وطنية لم يعرفها هذا البلد من قبل.

إن النسيان ـ لا بل الخطأ التاريخي ـ هما عامل أساسي لخلق الأمة, ولهذا فإن تقدم الدراسات التاريخية ينطوي غالبا على خطورة تتهدد الجنسية؛ فالبحث التاريخي يسلط الضوء بالفعل على وقائع العنف التي حصلت في بداية كل التشكيلات السياسية بما في ذلك التشكيلات التي أفضت إلى أحسن النتائج وخيرها. تحصل الوحدة دائما بصورة فظة, اجتماع فرنسا الشمالية إلى فرنسا الوسطى كان نتيجة لعملية إبادة وإرهاب متواصل طيلة قرن تقريبا. خذوا ملك فرنسا ـ وهو النموذج المثالي لصانع عملية تبلور عريقة تحصل مرة في كل قرن إذا جازت العبارة ـ ملك فرنسا الذي صنع الوحدة الوطنية الأكثر اكتمالا والتي يمكنها أن تكون, ملك فرنسا هذا حين ننظر إليه عن كثب نجد أنه فقد حظوته, فالأمة التي شكلها قامت ولعنته, ولم يعد هناك اليوم سوى النفوس المثقفة لمعرفة قيمته وصنائعه.

ما جعل هذه القوانين الكبرى لتاريخ أوروبا الغربية تصير حساسة, إنما هو التضارب. فالمشروع الذي باشره ملك فرنسا, معتمدا على الطغيان حينا وعلى العدالة حينا آخر, وقاده بطريقة مثيرة للإعجاب, فشل في انجازه العديد من البلدان, ففي عهد سان - اتيان, بقي المادغيار والسلافيون متمايزين عن بعضهم البعض كما كانوا قبل ثمانمائة عام. كذلك بالنسبة إلى أسرة هابسبورج التي استبعدت عملية صهر العناصر المتنوعة لممالكها وأبقتها متمايزة, بل متعارضة غالبا بين بعضها البعض. وفي بوهيميا نجد العنصر التشيكي والعنصر الألماني متراكبين الواحد فوق الآخر كالزيت والماء في قدح واحد. كذلك السياسة التركية القائمة على الفصل بين الجنسيات على أساس الديانة, فإنها قادت إلى نتائج أكثر خطورة وفداحة: لقد تسببت بانهيار الشرق. خذوا مدينة مثل سالونيك أو سميرنا, ستجدون فيها خمس أو ست جماعات تمتلك كل واحدة منها ذكريات خاصة بها, ولا نعثر تقريبا على أي أمر مشترك بينها ونحن نعلم أن جوهر الأمة يكون في وجود الكثير من الأشياء المشتركة بين سائر أفرادها, وبأن سائر هؤلاء الأفراد قد نسوا العديد من الأشياء. إن أي مواطن فرنسي لا يعرف إذا كان بورغنديا, آلان, تايغل, فيزيغوث, وينبغي على كل مواطن فرنسي أن يكون قد نسي سان- برتلمي والمجازر التي وقعت في المنطقة الوسطى في القرن الثالث عشر. لا يوجد في فرنسا عشر عائلات تستطيع أن تقدم حجة دامغة على أصلها الافرنجي, وحتى لو قدمت هذه الحجة فإنها ستكون ضعيفة ومعتلة بسبب ألف تقاطع مجهول من شأنه أن يشوش كافة النظم التي يضعها النسابون.

الأمة الحديثة هي إذن نتيجة تاريخية حملتها سلسلة من الوقائع المتلاقية في ذات الاتجاه. تحققت الوحدة تارة على يد سلالة حاكمة ـ كما هو الحال في فرنسا ـ وتحققت تارة أخرى بفضل الإرادة المشتركة للأقاليم ـ كما هو الحال بالنسبة إلى هولندا, وسويسرا, وبلجيكا ـ, وحصلت الوحدة تارة أخرى بفضل روح عامة تغلبت بعد تأخر ما على أهواء الإقطاعية ـ كما هي الحال بالنسبة إلى ايطاليا وألمانيا ـ. كان هناك دائما سبب وجود عميق ترأس هذه التشكيلات. وفي مثل هذه الحالات, تسطع المبادئ عن طريق المفاجآت الأبعد من غيرها عن الحصول. لقد شاهدنا, بأم أعيننا في هذه الأيام, ايطاليا موحدة بفضل هزائمها, وتركيا منهارة بسبب انتصاراتها. كل هزيمة كانت تدفع شؤون ايطاليا إلى الأمام, وكل انتصار كان يدفع تركيا إلى الضياع, ذلك أن ايطاليا أمة, بينما تركيا ـ خارج حدود آسيا الصغرى ـ ليست أمة. والمجد في ذلك يعود إلى فرنسا لأنها أعلنت عبر الثورة الفرنسية بأن الأمة تنوجد بذاتها. ولا ينبغي لنا أن نعتبر أمرا سيئا قيام الآخرين بتقليدنا. فمبدأ الأمم هو مبدؤنا. ولكن ما هي الأمة إذن? ولماذا تكون هولندا أمة بينما لا تكون هانوفر أو الدوقة الكبيرة لبارما أمة? وكيف تستمر فرنسا في أن تكون أمة في حين أن المبدأ الذي أنشأها قد زال? كيف تكون سويسرا أمة وهي تشمل ثلاث لغات وديانتين وثلاثة أو أربعة أعراق بينما لا تكون توسكانة ـ مثلا ـ أمة وهي المتجانسة إلى هذا الحد الكبير? لماذا تكون النمسا دولة وليست أمة? فيم يختلف مبدأ الجنسيات عن مبدأ الأعراق? تلك هي المسائل التي يستمسك بها من له عقل يفكر لكي يكون متفقا مع ذاته. صحيح أن شؤون العالم لا تنتظم البتة عن طريق هذا النوع من التعليلات, لكن الرجال المتمرسين يتوقون إلى إدخال شيء من العقل في هذه المسائل, وإلى إزالة الابهامات التي تتخبط فيها النفوس السطحية.
__________________
العِلْمُ ثلاثةُ أَشْبارٍ: أوَّلُهُ تَكَبُّرٌ، وثانيه تَوَاضعٌ، ومَنْ دَخَلَ في الشِّبْر الثالث عَلِمَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ.

ibnshamsi@hotmail.com
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 28-Jul-2010, 04:49 PM
الصورة الرمزية ابن شمسي
ابن شمسي ابن شمسي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 761
افتراضي


( 2 )


لدى سماع آراء بعض المنظرين السياسيين, يخيل إلينا أن الأمة هي قبل كل شيء سلالة حاكمة, ممثلة لاستيلاء قديم, وأن هذا الاستيلاء حصل تقبله في البداية, ثم نسيه جمهور الشعب فيما بعد, وبحسب السياسيين المشار إليهم فإن جمع المناطق التي قامت به السلالة الحاكمة ـ عن طريق الحروب وعن طريق الزواجات وعن طريق المعاهدات ـ ينتهي بانتهاء السلالة التي صنعته. ومن الصائب جدا القول بأن غالبية الأمم الحديثة قد تم إنشاؤها على يد أسرة ذات أصل إقطاعي, وهي الأسرة التي عقدت زواجا مع الأرض وكانت نوعا ما نواة لعملية تمركز. إن حدود فرنسا في عام 1789 لم تكن تتمتع بشيء من المواصفات الطبيعية ولا الضرورية. والمنطقة الواسعة التي أضافتها الأسرة الكاتبية إلى التخوم الضيقة المرسومة في معاهدة فردان, كانت بالفعل مكسبا شخصيا لمصلحة هذه الأسرة. ففي الحقبة التي جرت خلالها عمليات الضم, لم تكن معروفة فكرة الحدود الطبيعية, ولا حق الأمم, ولا إرادة المناطق. التئام شمل انجلترا وايرلندا وايكوسيا كان كذلك أمرا صنعته سلالة حاكمة. ولم تتأخر ايطاليا كثيرا كي تصبح أمة, إلا لأن أي بيت من بيوتاتها العديدة والحاكمة, لم يجعل نفسه, قبل قرننا الحالي, مركزا للوحدة. انه لشيء غريب أن تنال أحد هذه البيوتات اللقب الملكي في جزيرة سردينيا المغمورة الشأن والتي هي بالكاد أرض ايطالية. هولندا التي أنشأت نفسها بنفسها بفعل عزيمة بطولية, عقدت, رغم ذلك زواجا حميما مع بيت أورانج, وعرضت بذلك نفسها لأخطار حقيقية حين يأتي اليوم الذي تضطرب أوصال هذا الاتحاد.

ولكن , هل هذا القانون مطلق? كلا, بدون شك. فسويسرا والولايات المتحدة اللتان تشكلتا على هيئة مجموعات أضيفت تباعا إلى بعضها البعض, لم يكن لديهما أي أساس سلالي. ولن أناقش المسألة فيما يتعلق بفرنسا. إذ ينبغي معرفة ما يخبئه المستقبل. فلنقل فقط بأن هذه الملكية الفرنسية كانت قومية الطابع بصورة عالية إلى حد أن الأمة استطاعت أن تثبت غداة انهيار الملكية وبدونها. أضف إلى ذلك أن القرن الثامن عشر كان قد غير كل شيء. لقد عاد الإنسان, بعد قرون من الوضاعة, إلى الروح القديمة, إلى احترام ذاته, إلى الفكرة المتعلقة بحقوقه. الكلمات المتحدثة عن الوطن والمواطن استعادت معناها. وعلى هذا النحو تسنى انجاز العملية الأكثر جسارة والتي لم يشهد التاريخ مثيلا لممارستها, وهي العملية التي يمكن مقارنتها مع ما هو في ميدان الفيزيولوجيا بمثابة محاولة لرد الحياة في هويتها الأولى إلى جسد انتزع منه الدماغ والقلب.

ينبغي الإقرار إذن بأن الأمة تقوى على الوجود بدون مبدأ سلالي, وبأنه يمكن لأمم تشكلت على أيدي سلالات حاكمة أن تنفصل عن هذه السلالة بدون أن يكون ذلك سببا كي تكف عن الوجود. إن المبدأ العتيق الذي لا يأخذ في الحسبان سوى حق الأمراء, لم يعد قادرا على الصمود والثبات, إذ فيما عدا الحق السلالي, هناك الحق القومي. ولكن ما هو المعيار الذي نبني عليه هذا الحق القومي? وبواسطة أي علامة نتعرف عليه? ومن أي واقعة ملموسة نشتقه؟

1. من العرق, يقول الكثيرون حازمين. إذ أن الانقسامات المصطنعة, الناجمة عن الإقطاعية, وعن زواجات الأمراء وعن مؤتمرات الدبلوماسيين, عفا عليها الزمن. وما يبقى ثابتا وصلبا إنما هو عرق السكان. وهذا هو ما يكون الحق والشرعية. بحسب النظرية التي أعرضها, تملك العائلة الجرمانية مثلا الحق باسترداد أعضاء المذهب الجرماني المبعثرين, حتى ولو لم يطلب هؤلاء الأعضاء الالتقاء مع بعضهم البعض. وبذلك يكون حق الرابطة الجرمانية على هذه المنطقة أو تلك أقوى من حق سكان هذه المنطقة تجاه أنفسهم بالذات. وبهذه الطريقة ينشأ نوع من الحق الأولي مشابه لذلك الذي يستمده الملوك من الحق الإلهي, يستبدل مبدأ الأمم بمبدأ الاتنوغرافيا (الإناسة الوصفية). إنما هذا الخطأ كبير, وإذا ما قيض له أن يصبح مسيطرا لأضاع الحضارة الأوروبية. إذ بقدر ما يكون مبدأ الأمم عادلا وشرعيا, بقدر ما يكون الحق الأولي للأعراق ضيقا وحافلا بالمخاطر بالنظر إلى التقدم الحقيقي.

نحن نقر بأنه كان لواقعة العرق, في القبيلة والحاضرة القديمتين أهمية من الدرجة الأولى, إذ لم تكن القبيلة والحاضرة القديمتان سوى امتداد للعائلة. في اسبارطة وأثينا كان جميع المواطنين أقرباء بدرجات تزيد أو تنقص. وكان الشيء ذاته حاصلا عند بني إسرائيل, وما زال الأمر على هذه الحال في القبائل العربية. ولننتقل من اسبارطة وأثينا والقبيلة الاسرائيلية إلى داخل الإمبراطورية الرومانية. الوضع هنا مختلف تماما. فقد تشكلت الإمبراطورية في البداية عن طريق العنف, ثم استمرت بسبب المصلحة, بيد أن هذا المجموع الكبير من المدن ومن المناطق المختلفة مطلقا عن بعضها البعض, يوجه إلى فكرة العرق أخطر الضربات وأقواها. المسيحية, ونظرا لطابعها العالمي والمطلق, تعمل هي أيضا بطريقة أكثر فعالية في ذات الاتجاه. لقد عقدت المسيحية مع الإمبراطورية الرومانية حلفا وثيقا, وقد نتج عن هذين الفاعلين للتوحيد واللذين لا نظير لهما إقصاء الحجة الاتنوغرافية عن إدارة الشؤون الإنسانية لقرون عديدة.

كان اجتياح البرابرة, ورغم المظاهر الخارجية, خطوة إضافية في هذا الطريق. فعمليات التقطيع التي شهدتها الممالك البربرية لم يكن لها أي أساس اتنوغرافي; فقد جرت هذه العمليات عن طريق القوة أو تبعا لنزوة الغزاة. وفي نظر هؤلاء الغزاة, لم يكن أبدا عرق السكان الذين حصل إخضاعهم أمرا ذا بال. وقد صنع شارلمان على طريقته ما صنعته روما من قبل: إمبراطورية واحدة مؤلفة من أكثر الأعراق تنوعا; كذلك فعل صانعو معاهدة فردان, إذ أنهم عندما رسموا برباطة جأش الخطين الكبيرين من الشمال إلى الجنوب, لم ينتابهم أدنى قلق تجاه عرق السكان الموجودين على يمين الخط أو على شماله. وبنفس الطريقة, حدثت انتقالات الحدود في أعقاب العصر الوسيط, خارج أي اتجاه اتنوغرافي. وإذا كانت السياسة التي اتبعتها الأسرة الكابتية قد توصلت إلى أن تجمع تقريبا تحت اسم فرنسا أراضي الغول القديمة, فهذا لا يعني أن الأمر كان نتيجة لميل هذه البلاد إلى الانضمام إلى شقيقاتها.

فمقاطعات الدوفين, والبريس, والبروفنس, والفرانش- كونته, لم يكن قد بقي لديها ذكرى أصل مشترك. إذ أن كافة مظاهر الوعي الغولي كانت قد تلاشت منذ القرن الثاني للميلاد, ولم يتم العثور بصورة استعادية على فردية الطابع الغولي إلا عن طريق النظرة المتبحرة في أيامنا.

وعليه فان الاعتبار الاتنوغرافي لم يكن له أي شأن في تكوين الأمم الحديثة. ففرنسا سلتية وايبرية وجرمانية. وألمانيا جرمانية وسلتية وسلافية. أما ايطاليا فهي البلد الذي تتعر ض فيه الاتنوغرافيا لأشد حالات الارتباك. إذ تتقاطع فيها, داخل خليط متداخل, عناصر غولية وأتروسية وبيلازجية واغريقية, ناهيك عن العناصر الأخرى الكثيرة. كذلك الجزر البريطانية, فهي تقدم مزيجا من الدم السلتي والجرماني بحيث يصعب جدا تعريف المقادير والنسب.

والحقيقة أنه ليس هناك عرق خالص, وان إرساء السياسة على التحليل الاتنوغرافي يعني إقامتها على طيف زائل. فالبلدان الأكثر نبالة, أي انجلترا وفرنسا وايطاليا, هي البلدان التي اختلطت فيها دماء السكان أكثر من غيرها. هل تشكل ألمانيا حالة استثنائية في هذا المضمار? هل هي بلد جرماني محض? إنما هذا وهم كبيرا. إذ أن الجنوب (الألماني) كان كله غوليا. كما أن الشرق كله انطلاقا من منطقة الألب هو سلافي, حتى الأجزاء التي يزعم أنها حقا محض جرمانية هل هي بالفعل كذلك? ها هنا نلامس واحدة من المشكلات التي يجدر بنا أن نكون عنها أفكارا واضحة وأن نحاذر الوقوع في سوء الفهم.

النقاشات حول الأعراق لا تنتهي, ذلك أن كلمة عرق يأخذها المؤرخون وفقهاء اللغة (الفيلولوجيون) والإناسيون الفيزيولوجيون في معنيين مختلفين كل الاختلاف، فبالنسبة إلى الإناسيين: تحمل كلمة العرق المعنى ذاته في عالم الحيوانات (زوولوجيا), وتدل على وجود نسب حقيقي وقرابة قائمة على الدم, والحاصل هو أن دراسة اللغات والتاريخ لا تؤدي إلى ذات التقسيمات المعهودة في عالم الفيزيولوجيا. إذ لا مكان في التاريخ وفقه اللغة لكلمات مثل البراشيسيفال والدوليشوسيفال، والمجموعة البشرية التي أنشأت اللغة والعلوم الآرية حملت داخلها من قبل فئات البراشيسيفال والدوليشوسيفال. ويجدر بنا أن نقول ذات الشيء عن المجموعة البدائية التي أنشأت اللغات والمؤسسة المعروفة كلها بصفة السامية. فلنقل, بعبارة أخرى, أن الأصول الحيوانية (الزوولوجية) للإنسانية لهي سابقة بكثير جدا على أصول الثقافة والحضارة واللغة. والمجموعات الآرية البدائية والسامية البدائية والطورانية البدائية لم تكن تتمتع بأية وحدة فيزيولوجية, هذه التجمعات إنما هي وقائع تاريخية حصلت في حقبة زمنية معينة, لنقل منذ خمسة عشر ألفا أو عشرين ألف سنة, بينما الأصل الحيواني (الزوولوجي) للبشرية يضيع في عتمات زمنية يصعب تقديرها حسابيا. إن ما يطلق عليه فيلولوجياً وتاريخياً اسم العرق الجرماني هو بالتأكيد عائلة مميزة بوضوح داخل النوع الإنساني، ولكن هل هي عائلة في المعنى الانثروبولوجي للكلمة? بالطبع لا؛ إذ أن ظهور فردية جرمانية في التاريخ لم يتحصل إلا قبل المسيح بقرون قليلة جدا. ولم يخرج الجرمانيون إلى النور في تلك الحقبة على ما يبدو، فقبل ذلك ـ ونظرا لانصهارهم مع السلافيين في كتلة من السكيت لا تمييز فيها ـ لم يكن الجرمانيون يتمتعون بشخصية فردية على حدة. الانجليزي هو حقا نموذج متفرد داخل مجموع الإنسانية، بيد أن النموذج الذي يطلق عليه جزافا اسم العرق الانجلو - سكسوني, ليس البريتون زمن القيصر, وليس الانجلو- سكسوني زمن هنغيست, وليس الدانماركي زمن كنوت, وليس النورماندي زمن غييوم الفاتح، إنه محصلة كل ذلك. ليس الفرنسي غوليا ولا فرنجيا ولا بورغنديا، بل هو ما خرج من آنية الطهو الكبيرة حيث تخمرت سويا, برعاية ملك فرنسا, العناصر الأكثر تنوعا. والإنسان القاطن في منطقة «جيرسي», أو في منطقة «غيرنيسي» لا يختلف في شيء من جهة الأصول عن سكان النورماندي القاطنين على الضفة المجاورة. وفي القرن الحادي عشر الميلادي, لم يكن في مقدور أي عين نفاذة أن تلحظ بين جهتي القناة أدنى اختلاف، إن ظروفا لا معنى لها هي التي جعلت فيليب - اوغست يحجم عن أخذ هذه الجزر مع باقي النورماندي. ولئن عاش سكان المنطقتين منفصلين عن بعضهم البعض منذ قرابة سبعمائة عام, فإنهم ما عادوا فحسب أجانب في نظر بعضهم البعض, بل أصبحوا متنافرين تماما. العرق, كما نفهمه نحن, المؤرخين الآخرين, إنما هو شيء يتحصل وينفرط. إن دراسة العرق أساسية في نظر العالم المنكب على تاريخ الإنسانية, ولكن ليس لها مجال تطبيق في السياسة. فالوعي الغريزي الذي تصدر عملية إعداد خريطة أوروبا لم يحسب أي حساب للعرق, وأول الأمم في أوروبا هي أمم قائمة جوهريا على اختلاط دماء أبنائها.

إن واقعة العرق, الأساسية في الأصل, تروح إذن تخسر دائما من أهميتها. التاريخ الإنساني يختلف جوهريا عن عالم الحيوانات (الزوولوجيا). والعرق ليس كل شيء في هذا التاريخ, كما هي الحال لدى القواضم والكواسر, وليس لدينا الحق أن نجوب الدنيا لفحص جماجم الناس, ثم نمسكهم من أعناقهم لنقول لهم: أنت من دمنا, أنت منا! إذ خارج الطبائع الانتروبولوجية, هناك العقل والعدالة والصواب والجمال, وهي أمور موجودة بعينها لدى كافة البشر, انظروا, هذه السياسة الاتنوغرافية غير مضمونة النتائج. تستغلونها اليوم ضد الآخرين, ثم ترونها بعد ذلك تنقلب عليكم بالذات. إذ ما الذي يؤكد للألمان, الذين رفعوا عاليا راية الاتنوغرافيا, بأنهم لن يروا السلافيين يأتون بدورهم ليحللوا أسماء القرى في منطقتي الساكس واللوزاس ويبحثوا عن آثار الويلتزس أو الاوبوتريتيين, ثم يطلبون حسابا للمجازر ولعمليات البيع الكبيرة والكثيرة التي اقترفها «الأوتون» في حق أجدادهم? من المفيد للجميع أن يعرفوا كيف ينسون ذلك.

إنني أحب الاتنوغرافيا كثيرا; فهي علم ذو فائدة نادرة الوجود، ولئن كنت أريد لهذا العلم أن يكون حرا, فإنني أريده بدون تطبيقات سياسية. ففي الاتنوغرافيا, كما في سائر الدراسات, النظم تتغير, وهذا هو شرط التقدم. فهل تتغير الأمم إذن بتغير النظم? في هذه الحال, فان حدود الدول ستتبع تموجات العالم. وستخضع النزعة الوطنية لعملية شرح تحمل قدر من المفارقة يقل أو يزيد. إذ قد يأتي البعض ويقول للوطني: «لقد أخطأت, لقد سفكت دمك من أجل هذه القضية أو تلك; كنت تظن أنك سلتي, ولكن لا, أنت جرماني». ثم , بعد عشر سنوات, سيأتي البعض ليقول لك بأنك سلافي. ولكي لا نعرض العالم للتزوير, فلنعفه من الإدلاء برأي في هذه المشكلات التي توظفت فيها مصالح كثيرة. ففي حال ما ألقينا على العالم مهمة منح الدبلوماسية عناصر معينة, كونوا واثقين بأننا سنمسكه (العلم) غير مر ة ملتبسا بالجرم المشهود, مفصحا عن المحاباة والتواطؤ. أمام العلم ما هو أفضل من ذلك، فلنطلب منه بكل بساطة إجلاء الحقيقة.

2. ما قلناه آنفا عن العرق, ينبغي قوله عن اللغة. فاللغة تدعو إلى الالتقاء, لكنها لا تكره أحدا على ذلك. الولايات المتحدة وانجلترا, كذلك أمريكا الاسبانية واسبانيا, تتحدث بذات اللغة ولا تشكل أمة واحدة. وعلى العكس من ذلك, نرى سويسرا, ذات النشأة الناجزة حقا ـ لأنها تشكلت من توافق أجزائها المختلفة ـ نراها تشتمل على ثلاث أو أربع لغات. ثمة في الإنسان شيء يفوق اللغة، إنه الإرادة، إرادة سويسرا في أن تكون موحدة بالرغم من تنوع لغاتها, لهو أمر يفوق في أهميته كل تشابه لغوي يتم الحصول عليه غالبا عن طريق الإرغام وضروبه.

من المشرف لفرنسا أنها لم تسع أبدا إلى تحصيل وحدة لغتها عبر إجراءات قائمة على الإكراه. ألا يمكن للناس أن يتمتعوا بذات المشاعر وبذات الأفكار, وأن يحبوا ذات الأشياء بلغات مختلفة? كنا نتحدث منذ قليل عن المساوئ التي تنطوي عليها عملية إلحاق السياسة الدولية بمقتضيات الاتنوغرافيا. لن يقل الأمر سوءا حين نلحق السياسة الدولية بفقه اللغة (الفيلولوجيا) المقارن. فلندع لهذه الدراسات الشيقة كامل حريتها في المناقشات, ولكن حذار أن نجعلها تتدخل فيما يعكر صفاءها. ذلك أن الأهمية السياسية التي يعلقها البعض على اللغات, إنما تتأتى من النظر إليها كما لو أنها علامات تدل على العرق. ما من شيء أكثر خطأ من هذه النظرة. فلنعلم أن بروسيا, التي لا يتحدث الناس فيها الآن سوى الألمانية, كانت تتكلم السلافية منذ بضعة قرون, ولنعلم أن بلاد الغال تتكلم الانجليزية وأن منطقة الغول وأسبانيا تتكلمان اللغة البدائية لمنطقة الألب الطويلة وأن مصر تتكلم العربية, ونكتفي بهذا لأن الأمثلة على ما نقول لا تحصى. حتى لو نظرنا إلى الأصول, فإننا سنجد أن التشابه في اللغة لا يستدعي تشابها في العرق. ولنأخذ مثل القبيلة الآرية- النموذجية أو السامية - النموذجية سنجد أنها ضمت عبيدا كانوا يتحدثون ذات اللغة التي يتحدث بها أسيادهم, علما بأن العبد كان في تلك الأيام ينتمي غالبا على عرق أدنى من عرق سيده, فلنكرر إذن مقولتنا: إن تقسيمات اللغات إلى هندو - أوروبية وسامية وغير ذلك, وهي التقسيمات التي ابتكرها عالم فقه اللغة المقارن بطريقة ثاقبة تستحق الإعجاب, لا تتطابق مع التقسيمات التي أنشأها علم الإناسة (الانتروبولوجيا). اللغات تشكيلات تاريخية, وهي قلما تدل على دماء الذين يتحدثون بها, ولا ينبغي لها في مطلق الأحوال أن تقيد الحرية الإنسانية عندما يتعلق الأمر بتحديد الأسرة التي نتحد بها في الحياة وحتى الممات.

هذا التقدير الحصري للغة, مثله مثل الاهتمام المفرط المعطى للعرق, ينطوي هو أيضا على أخطار وسلبيات. وعندما نبالغ في ذلك فإننا نسجن أنفسنا داخل ثقافة محددة نعتبرها ثقافة قومية, وبذلك نضيق الحدود على أنفسنا وننعزل. نترك الهواء الكبير الذي نتنفسه داخل الحقل الشاسع للإنسانية كي نحبس أنفسنا في وحدات اصطلاحية ملفقة لوطنيين ضيقي الأفق. وما من شيء آخر بالروح من هذا. ولاشيء أسوأ من هذا على الحضارة. فلنعاهد أنفسنا على عدم التخلي عن هذا المبدأ الأساسي, وهو أن الإنسان كائن عاقل وأخلاقي قبل أن يكون معلبا داخل هذه اللغة أو تلك, وقبل أن يكون عضوا في هذا العرق أو ذاك ومنتسبا إلى هذه الثقافة أو تلك. إذ قبل الثقافة الفرنسية وقبل الثقافة الألمانية والثقافة الايطالية هناك ثقافة إنسانية. انظروا إلى رجالات النهضة الكبار, لم يكونوا فرنسيين ولا ايطاليين ولا ألمانا . لقد عثروا من خلال تعاملهم مع الأزمنة القديمة على سر التربية الحقيقية للروح البشرية, ونذروا أنفسهم لذلك جسدا وروحا. لكم كان صنيعهم جيدا!

3. الدين هو أيضا لا يسعه أن يقدم الأساس الكافي لإنشاء جنسية حديثة. كان الدين في الأصل متصلا بوجود المجموعة الاجتماعية في حد ذاته، وكانت المجموعة الاجتماعية توسعا للعائلة، فالديانة والطقوس كانت طقوس العائلة. ديانة أثينا إنما هي عبادة أثينا بالذات, عبادة مؤسسيها الأسطوريين قوانينها عاداتها الجارية. ولم تكن تستدعي أية صيغة من صيغ اللاهوت العقائدي (الدوغمائي). هذه الديانة كانت بكل معنى الكلمة وقوتها ديانة دولة، ولا يعد أثينيا من يرفض ممارستها. لقد كانت في العمق عبادة للاكروبول المشخصن. أن يقسم المرء أمام معبد أغلور, كان يعني انه يعطي العهد على أن يموت في سبيل الوطن. هذه الديانة كانت ما يعادل لدينا عملية القرعة العسكرية أو عبادة العلم. وكان رفض الاشتراك في هذه العبادة أشبه برفض الخدمة العسكرية في مجتمعاتنا الحديثة. إذ كان هذا الرفض يعني أن صاحبه ليس أثينيا. ومن الواضح من ناحية أخرى أن هذه العبادة لم يكن لها معنى في نظر من لا يكون من أثينا, لذا لم يكن هناك نشاط تبشيري لإجبار الأجانب على تقبل هذه العبادة, فالعبيد في أثينا ما كانوا يمارسونها. وقد كان الأمر كذلك في بعض الجمهوريات الصغيرة في العصر الوسيط؛ إذ لم يكن المرء يعتبر ابنا بارا من أبناء البندقية إذا لم يحلف بحياة سان مارك, ولم يكن المرء يعد امالفيتيا طيبا إذا لم يضع سان اندريه فوق سائر القديسين الآخرين في الجنة. وما سيجري اعتباره لاحقا في هذه المجتمعات الصغيرة ضروبا من الاضطهاد والطغيان كان من قبل شرعيا وكان يترتب عليه تبعات قليلة, شأنه في ذلك شأن قيام المرء عندنا بالاحتفاء برب العائلة وبتوجيه أحر الأمنيات له في أول يوم من أيام السنة.

ما كان صحيحا في اسبارطة وأثينا, كف من ذي قبل عن أن يكون صحيحا في الممالك الخارجة عن فتوحات الاسكندر, ولم يعد صحيحا في الإمبراطورية الرومانية على وجه الخصوص. إن عمليات الاضطهاد التي قام بها انطاكيوس أبيفان لإرغام الشرق على عبادة جوبيتر الاولمبي كما عمليات الاضطهاد التي قامت بها الإمبراطورية الرومانية من أجل المحافظة على الديانة المزعومة للدولة كانت كلها خطأ وجريمة وعبثية حقيقية. وقد أصبح الوضع في أيامنا في غاية الوضوح. لم يعد هناك جماهير تؤمن بطريقة واحدة وشكل واحد. كل إنسان يؤمن ويتعبد كما يحلو له, بحسب قدرته وكما يريد. لم يعد هناك دين دولة, نستطيع أن نكون فرنسيين أو انجليزا أو ألمانا ونكون في الوقت ذاته كاثوليكيين أو بروتستانتيين أو إسرائيليين. فقد أصبح الدين شأنا فرديا, شأن يخص ضمير كل واحد, إن تقسيم الأمم إلى أمم كاثوليكية وبروتستانتية ما عاد موجودا. والدين الذي كان منذ اثنين وخمسين عاما عنصرا شديد الأهمية في تكوين بلجيكا, يظل يحتفظ بكامل أهميته في قلب كل واحد, إلا أنه خرج تقريبا بالكامل من دائرة الاعتبارات التي بموجبها ترسم حدود الشعوب.

4. الاشتراك في مجموعة مصالح هو بالتأكيد رابطة قوية بين البشر. ولكن هل تكفي المصالح لبناء أمة? أنا لا أعتقد ذلك, فجماعة المصالح تعقد معاهدات تجارية. وثمة في الجنسية جانب يتصل بالمشاعر; إنها نفس وجسد في آن, إن (الاتحاد الجمركي) لا يشكل وطنا.

5. الجغرافيا أي ما نسميه بالحدود الطبيعية تحظى قطعا بنصيب كبير في عملية تقسيم الأمم. فالجغرافيا هي أحد العوامل الأساسية للتاريخ. الأنهار ساقت الأعراق, والجبال أوقفتها عن مسيرتها، الأولى شجعت الحركات التاريخية فيما حدت الثانية منها. هل يمكننا مع ذلك أن نقول كما يعتقد بعض الفرقاء إن حدود أمة ما مكتوبة على الخريطة, وبأن من حق هذه الأمة الاستيلاء على ما هو ضروري لتوسيع بعض أطرافها, لبلوغ هذا الجبل أو هذا النهر, إذ ينظر إليه كأنه يتمتع بنوع من الملكة القادرة مسبقا على إقامة الحد? أنا لا أعرف مذهبا أكثر تعسفا وأكثر شؤما من هذا الاعتقاد؛ ذلك أنه يسمح بتبرير كافة عمليات العنف, ولنتساءل هنا وقبل كل شيء: هل الجبال أم الأنهار هي التي تشكل هذه الحدود الطبيعية المزعومة? الشيء المؤكد الذي لا جدال فيه هو أن الجبال تفصل, بينما الأنهار تجمع. يضاف إلى ذلك أن الجبال ليست كلها مؤهلة لرسم حدود الدول، فأي الجبال إذن تفصل وأي الجبال لا تفصل? وعلى الطريق الممتدة بين بياريتز وتورنيا لا يوجد ملتقى نهري يتمتع أكثر من غيره بطابع حدي. ولو شاء التاريخ لكان لأنهار اللوار والسين والموز والألب والأودر, مثلها مثل نهر الرين سمة الحد الطبيعي هذه والتي قادت إلى ارتكاب شتى المخالفات تجاه الحق الأساسي وهو إرادة البشر. يتحدثون عن أسباب إستراتيجية, ليس هناك شيء مطلق كل الإطلاق. ومن الواضح انه ينبغي تقديم تنازلات فعلية تقتضيها الضرورة. ولكن لا ينبغي لهذه التنازلات أن تذهب بعيدا وأكثر من اللازم, وإلا فان الناس كلهم سيطالبون بما يناسب اعتباراتهم العسكرية، وهذا سيؤدي إلى حرب لا نهاية لها, لا ليست الأرض هي التي تضع أكثر من العرق أمة من الأمم. الأرض تقدم المادة حقل الصراع والعمل, أما الإنسان فيقدم الروح، الإنسان هو الأساس كله في تكوين هذا الشيء المقدس الذي نطلق عليه اسم الشعب. والشيء المادي مهما بلغ شأنه لا يكفي لذلك, الأمة مبدأ روحي, تحصل من تعقيدات التاريخ العميقة, الأمة عائلة روحية, لا مجموعة محددة بترسيمة الأرض.

لقد رأينا آنفا ما لا يكفي لخلق مثل هذا المبدأ الروحي: العرق, اللغة, المصالح، الانسجام الديني, الجغرافيا, الضرورات العسكرية. هل ثمة بعد ما يجب إضافته إلى ما سبق? ما عاد لي بعد الذي قلته آنفا أن استحوذ طويلا على انتباهكم.
__________________
العِلْمُ ثلاثةُ أَشْبارٍ: أوَّلُهُ تَكَبُّرٌ، وثانيه تَوَاضعٌ، ومَنْ دَخَلَ في الشِّبْر الثالث عَلِمَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ.

ibnshamsi@hotmail.com
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 28-Jul-2010, 04:53 PM
الصورة الرمزية ابن شمسي
ابن شمسي ابن شمسي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 761
افتراضي


( 3 )

الأمة نفس, مبدأ روحي، هناك شيئان ـ هما في الحقيقة شيء واحد ـ يكوّنان هذه النفس وهذا المبدأ الروحي، الشيء الأول قائم في الماضي, والثاني في الحاضر, الشيء الأول: هو الامتلاك المشترك لإرث غني من الذكريات، الشيء الثاني: هو التوافق الحالي, الرغبة في العيش سويا, والإرادة القاضية بمواصلة الجهد لإعلاء شأن ما وصل إلينا غير مجزأ. الإنسان, أيها السادة, لا يرتجل نفسه ارتجالا، والأمة ـ مثلها مثل الفرد ـ إنما هي مآل ماض طويل حافل بالجهود والتضحيات ونذر الأنفس, إن عبادة الأسلاف لهي من بين سائر العبادات الأكثر شرعية; فالأسلاف جعلونا نكون ما نحن عليه اليوم، الماضي البطولي, الرجالات الكبار, المجد (أقصد بذلك المجد الحقيقي)، تلك الأشياء هي الرأسمال الاجتماعي الذي نقيم عليه الفكرة القومية. أن تكون هناك أمجاد مشتركة في الماضي وإرادة مشتركة في الحاضر, أن نكون قد صنعنا سويا مآثر كبيرة, وأن نريد صنع المزيد منها, تلك هي الشروط الأساسية لنشوء شعب. الناس يحبون تبعا لنسبة التضحيات التي بذلوها ولنسبة الشرور التي عانوا منها. إننا نحب البيت الذي بنيناه والذي نورثه. إن النشيد الاسبارطي القائل: "نحن ما كنتم وسنصبح ما أنتم عليه" لهو في بساطته النشيد المختصر لكل وطن.

أن يكون لنا في الماضي إرث من المجد والحسرات نتقاسمه, وفي المستقبل برنامج بعينه نعمل على تحقيقه; أن نكون قد عانينا وابتهجنا وأهلنا سويا, لهو أمر تفوق قيمته الحدود الجمركية المشتركة والحدود المطابقة للأفكار الإستراتيجية، وهذا ما يفهمه الناس بالرغم من تنوعات العرق واللغة. كنت أقول منذ قليل: «أن نكون قد عانينا سويا»... نعم, المعاناة المشتركة توقد أكثر من الفرح، فبالنظر إلى الذكريات المشتركة نجد أن حالات الحداد تفوق في قيمتها حالات الانتصار, ذلك أنها تملي علينا واجبات وتتطلب منا جهدا مشتركا.

الأمة هي إذن تضامن كبير، تشكل من الشعور بالتضحيات التي بذلناها سابقا والتي نحن جاهزون لبذلها من بعد. الأمة تفترض وجود ماض, ومع ذلك نراها في الحاضر تتلخص بأمر ملموس: إنه التوافق والرغبة الصريحة العبارة في مواصلة الحياة المشتركة. وجود الأمة هو (اعذروني على هذا التشبيه) عملية استفتاء شعري تحصل في كل الأيام, كما أن وجود الفرد هو التأكيد المتواصل على الحياة. أوه! أعرف أن هذا الكلام أقل ميتافيزيقية من الحق الإلهي, وأقل فظاظة من الحق المزعوم بأنه تاريخي. ففي نظام الأفكار التي أعرضها أمامكم ليس للأمة حق أكثر مما للملك حق في أن يقول لمنطقة من المناطق: أنت ملكي وإني لآخذك. فالمنطقة بالنسبة إلينا هي سكان هذه المنطقة، وإذا كان لأحد الحق في أن يستشار في هذا الشأن, فهو ساكن هذه المنطقة. ليس من مصلحة حقيقية لأمة أن تضم إليها أو أن تمسك برقاب بلد رغما عنه. تمنيات الأمم هي قطعاً المعيار الشرعي الوحيد الذي ينبغي أن نرجع إليه دائما.

لقد طردنا من نطاق السياسة التجريدات الميتافيزيقية واللاهوتية. ماذا يبقى بعد هذا? يبقى الإنسان, رغباته وحاجاته. ستقولون لي: إن الانفصال وتفتت الأمم على المدى الطويل هما النتيجة التي يسفر عنها نظام يخضع هذه الأجسام القديمة لرحمة إرادات هي في غالب الأحيان قليلة التنور. من الواضح أنه في ميدان كهذا لا ينبغي أن ندفع أي مبدأ أكثر من اللازم، إذ أن مثل هذه الحقائق لا تنطبق إلا في مجموعها وبطريقة عامة جدا. الإرادات البشرية تتغير, ولكن ما الذي لا يتغير في هذا العالم الأرضي? الأمم ليست شيئا أبديا. لقد بدأت وستنتهي. ومن المرجح أن الكونفيدرالية الأوروبية ستحل محلها. ولكن هذا ليس قانون العصر الذي نعيش فيه. ففي الوقت الراهن, وجود الأمم أمر جيد, بل ضروري, إذ أن وجود ما هو ضمانة الحرية التي ستضيع إذا لم يعد في العالم سوى قانون واحد وسيد واحد.

نظرا لملكاتها المتنوعة والمتعارضة غالبا تخدم الأمم المأثرة المشتركة للحضارة, فكلها تجلب نوطة إلى المعزوفة الكبرى للإنسانية والتي هي في المحصلة أرقى أشكال الواقع المثالي الذي يسعنا أن نبلغه. عندما تكون الأمم معزولة تكون حصصها ضعيفة. أقول لنفسي غالباً: إن الفرد الذي لديه عيوب تعدها الأمم خصالا جيدة والذي يتغذى من مجد لا طائل منه والذي يكون غيورا وأنانيا ومشاكسا إلى هذا الحد والذي لا يستطيع تحمل شيء بدون أن يشهر سلاحه لهو إنسان لا يطاق أكثر من غيره من البشر. غير أن كل هذه التنافرات التفصيلية تتلاشى داخل المجموع. مسكينة أنت أيتها الإنسانية! لكم عانيت! وكم من الشدائد ما تزال تتربص بك! عسى لروح الحكمة أن ترشدك كي تقيك من شتى الأخطار التي تعتور طريقك!

ذاكم أيها السادة ملخص كلامي, ليس الإنسان عبدا لعرقه, ولا للغته، ولا لديانته, ولا لمجرى الأنهر, ولا لاتجاه سلاسل الجبال, إن تجمعا كبيرا من البشر ذا روح سليمة وقلب حار يولّد وعيا أخلاقيا اسمه الأمة. وطالما أن هذا الوعي الأخلاقي يبرهن عن قوته عبر التضحيات التي يقتضيها تنازل الفرد لمصلحة الجماعة, فإن هذا الوعي شرعيّ وله الحق في الوجود.

وفي حال ما قامت شكوك حول حدوده استشيروا السكان المتنازع عليهم. فلهؤلاء بالفعل الحق في إعطاء رأيهم في المسألة حاكم ما سيجعل المتعالين في السياسة يبتسمون, هؤلاء المعصومون الذين يقضون حياتهم في تضليل أنفسهم, والذين ينظرون إلينا من أعلى مبادئهم المتفوقة فتأخذهم الشفقة على تفكيرنا الملتصق بالحضيض: (استشيروا السكان, تبا لهذا الكلام! ما هذه السذاجة! تلكم بالفعل الأفكار الفرنسية البائسة التي تطمح إلى تبديل الدبلوماسية والحرب بوسائل تنمّ عن سذاجة صبيانية). فلننتظر أيها السادة; ولندع عهد المتعالين يمرّ، ولنعرف كيف نتلقى سخرية الأقوياء، فربما ـ بعد الانتهاء من التلمسات اللامجدية ـ سيعودون إلى حلولنا التجريبية المتواضعة, إن الوسيلة التي تجعل الإنسان محقا في المستقبل هي في أوقات معينة: أن يعرف كيف يقنع بكونه عتيقا لا يجاري ما هو شائع.


انتهت
__________________
العِلْمُ ثلاثةُ أَشْبارٍ: أوَّلُهُ تَكَبُّرٌ، وثانيه تَوَاضعٌ، ومَنْ دَخَلَ في الشِّبْر الثالث عَلِمَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ.

ibnshamsi@hotmail.com
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 31-Jul-2010, 12:35 AM
الصورة الرمزية عبد الرحمن العرافة
عبد الرحمن العرافة عبد الرحمن العرافة غير متواجد حالياً
محب للتــاريخ
 
تاريخ التسجيل: Jul 2009
المشاركات: 137
افتراضي





جميل جداً كلام هذا الرجل
ولا أدري لو كان علمه بالديانات سليماً كيف سيرى الدين و الذي يمنحه الأمة التي يريدها و بقياساته المحددة هنا

كم آمل أن أقرأ مناظرته مع جمال الدين الأفغاني و ما دار بينهما


بالمناسبة الألباني رحمه الله يقول :
(...جنس العرب أفضل من جنس سائر الأمم....)

ويقول أيضاً :
بيد أن ذلك لا ينافي أن يكون جنس العرب أفضل من جنس سائر الأمم ، بل هذا هو الذي أؤمن به و أعتقده ، وأدين الله به - وإن كنت ألبانيا فإني مسلم و لله الحمد – ذلك؛ لأن ما ذكرته من أفضلية جنس العرب هو الذي عليه أهل السنة والجماعة ، ويدل عليه مجموعة من الأحاديث الواردة في هذا الباب ... ) .

ـــــ

وقد استدرك عليه البعض بقولهم أن العرب اليوم هم خليط من كل عرق و أقلهم اختلاطاً هم سكان الجزيرة و اليمن
وما عداهم قد دُخل فيهم وتغيروا , فمصر مثلاً خليط من الأقباط و الإنجليز والنوبيين كذلك الأمر في بلاد الشام والمغرب من البربر وغير البربر ولا يعني أن كل من تكلم العربية صار عربي فالأمر شائك جداً بتحديد الجنس نفسه


النقاط أعلاه قد وردت في موضوع جرى في موقع أهل الحديث وقد اختصرت أهم ما جاء من كلامهم .

شكراً لنقل المميز دائماً يابو عبد الله .




__________________




يُحِبُّ الْعَاقِلُوْنَ عَلى الْتَصَافِي .. وَحُبُّ الْجَاهِلِينَ على الوِسَامِ
وَ آنَفُ مِنْ أَخِيّ لِأَبِيّ وَ أُمّي .. إِذا مَالَمْ أَجِـدْهُ مِنَ الْـكِرَامِ
............................... أبو الطيب المتنبي



رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-Aug-2010, 04:42 AM
الصورة الرمزية ابن شمسي
ابن شمسي ابن شمسي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 761
افتراضي

أشكر مرورك أخي عبد الرحمن...

نظرية رينان حول مكوّنات الأمة هي واحدة من ضمن نظريات كثيرة طرحها علماء الاجتماع والمؤرخون والسياسيون، وقد كانت النظرية الألمانية (نظرية اللغة) والنظرية الفرنسية (نظرية الإرادة) من أوائل النظريات التي مال إليها القوميون العرب في مطلع القرن العشرين الميلادي أو قبيله. ولا يخفى أن كلتا النظريتين قد استبعدت الدين عن مقومات الأمة، وهذا مخالف لتصور الإسلام لتكوين الأمة.

بالنسبة لرأي الألباني رحمه الله في تفضيل جنس العرب... فلا شك أنَّه يقصد بذلك الحديث الشريف: أنا خيار من خيار من خيار.

رينان ـ وعلى الرغم من أنه من كبار الفلاسفة العقلانيين ـ إلا أنه كان شديد التعصُّب لجنسه الأوروبي وجذورهم (الروحية) الضاربة إلى الإغريق والرومان، ولذلك كان رأيه في (الساميين) أنهم يغلب عليهم الفشل والضعف في كل شيء، وأنه لم يظهر لهم أي تفوّق حربي في التاريخ، ويجعل من عقيدة توحيد الإله (القائمة على التجريد) دليلاً على ضعف الخيال مقابل الأمم الوثنية التي أسعفها خيالها الواسع في تعدّد الآلهة. وقد ردّ عليه المستشرق اليهودي إسرائيل ولفنسون (وهو صهيوني محترق) في كتابه (تاريخ اللغات السامية).

ومناظرة رينان والأفغاني تجدها على هذا الرابط، وفيه كشف عن جوانبها الحضارية والعلمية والتاريخية:
http://www.ajras.org/?page=show_deta...&table=studies

سعدتُ بمرورك الكريم
__________________
العِلْمُ ثلاثةُ أَشْبارٍ: أوَّلُهُ تَكَبُّرٌ، وثانيه تَوَاضعٌ، ومَنْ دَخَلَ في الشِّبْر الثالث عَلِمَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ.

ibnshamsi@hotmail.com
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

تابعونا عبر تويتر تابعونا عبر فيس بوك

الساعة الآن 12:52 AM.

 

كل مايكتب في المنتدى يعبر عن رأي كاتبة ولايعني بالضرورة رأي الموقع